وفي داخل الكهف رحمة
  العلاج هو رفع الهمم
  تغريدات فقهية - 3
  الفراغُ والداعية
  
   
 
 
الرئيسة نتاج المشرف العام منبر الجمعةسلامة القلب
 سلامة القلب
7 صفر 1436هـ

 

الحمد لله الذي جعل النجاة في الآخرة لمن كان قلبُه سليماً، فقال جل وعلا: ( يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ). الشعراء ( 88- 89 ).

والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي كان يملكُ قلباً سليماً، وكان يملك روحاً تحب العفوَ والمسامحة ..

معاشر المؤمنين :
إن من الناس من يحملُ في قلبهِ أطناناً من الغل والحقد والحسد، وفي نفس الوقت هناك قلوبٌ لا تعرف الانتقام ولا البغي ولا العدوان .

هذا رسولنا صلى الله عليه وسلم يخرج للطائف لدعوتهم إلى دين الله وتوحيده ولكنهم رفضوا دعوته واستكبروا عنها بل وجعلوا الأطفال والمجانين يرجمونه بالحجارة .

ثم يسيرُ بهمومه وحزنه ولايدري أين تذهب به الخطا ولا يفيقُ إلا بعد عشرات الكيلوات .
سار بجسدٍ تتقاطر منه الدماء ولك أن تتخيل ذلك النبي المختار يسير والدماءُ تسيل من تلك الأقدام التي خرجت لله ولنصرة دينه .

في تلك اللحظات إذ بمَلَك الجبال ينزل من السماء ومعه سيد الملائكة جبريل عليه السلام .
يسلم جبريل على نبينا محمد ويقول : إن الله قد سمع قول قومك لك وماردوا عليه وهذا ملك الجبال إن شئت أن يطبق عليهم الأخشبين أي الجبلين فتنتهي قرية الطائف في تلك اللحظة .

يا ترى هل رسولنا في هذه اللحظة تذكر الخطأ وتذكر الدماء التي تسيل منه ؟ أم أنه نظر إلى جانب الرحمة والعفو والتفاؤل.

إن رسولنا كان يملك روحاً ترفرف نحو العلا وتعشق العفو وتنظر للأمل فكان الجواب من رسولنا:  لا. لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً . رواه مسلم .

أي قلب كان يملك صلى الله عليه وسلم ؟ إنه العفو وسلامة القلب .

إن رسولنا لم يأت للناس وهو يريد تنفيذ العقوبات على من يخطئ منهم ، إن قلبهُ كان واسعاً يستوعب كل العيوب والمخالفات التي تصدر من أطياف المجتمع، وهكذا تكونُ صفات القادةِ العظماء .

أحبتي : في مجتمعاتنا نحتاجُ إلى سلامة القلب والتدرب على العفو .

في بيتك أيها الزوج ، لماذا تنتقم من زوجتك لأجل كلمةٍ عابرة أو خطأ فطري .

لماذا تُرسل كلماتك الجارحة على ولدك بسبب زلةٍ قادتهُ لها طفولته أو مراهقته .

أيها الأب ادخل لبيتك وأنت تحمل العفو لتوزعه على أسرتك .

ما أجمل العفو.. خُلقٌ راقي يضعُ لك محبةً في القلوب .

نحتاجُ العفو في أوساط الأقارب والأرحام ، هذا عمك وخالك وهذه عمتك وخالتك وهذه أختك وهذا أخوك كلهم من البشر الذين تقع منهم الزلة ، فهل ياترى يجدون منك عفواً ومسامحةً ؟.

في تعاملك مع الموظفين تحت إدارتك ، سوف ترى منهم زللاً ، فهل سيرون منك عفواً ؟

نحتاج العفو مع الجار الذي قد يصدر منه أو من أولادهِ بعض الخطأ .

ومع أصدقائك لابد من العفو، فهذا ربما نسي موعداً معك وربما تأخر عليك ، ولعله يخطىء في كلمةِ مزاحٍ معك ، وربما تجاهل بعض الأمور التي تحبها ، ولعله لم يسدد القرض الذي منحته إياه قبل مدة .

يا أيها المحب هل تحب من الناس أن يعفو عنك حينما تخطئ عليهم ؟

فكذلك الناس يحبون أن تعفو عنهم .

إن العفو عن الناس طريق للجنة الغالية فاسلك هذا السبيل، وحينما نتأمل أوصاف أهل الجنة التي ذكرها الله تعالى : نجد منها : ( وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) .آل عمران ( 134 ) .

عباد الله ،، إن من أسماء الله تعالى " العفو " والله عفا ولا يزال يعفو عن كثيرٍ من عباده .

" يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لاتشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة ". رواه الترمذي بسند صحيح .

معاشر المؤمنين ..

هيا بنا إلى بعض صور العفو عند نبينا صلى الله عليه وسلم :

عن أنس- رضي الله عنه- قال : كنت أمشي مع رسول الله-صلى الله عليه وسلم- فأدركه أعرابي فجبذه جبذةً شديدة فنظرت إلى صفحة عنقه اليمنى، وقد أثرت بها حاشية البردة من شدة جذبته، فقال: يا محمد أعطني من مال الله الذي عندك ، فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فضحك ثم أمر له بعطاء. رواه البخاري .

ما أعجب أخلاق هذا الرسول الكريم ، يبتسم لمن يخطئ عليه .

وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه يقول : كأني أنظر إلى رسول الله-صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون .

وكذلك كان العفو من هدي الرسل الكرام ؛ فهذا نبي الله يوسف عليه السلام الذي حسده إخوته وألقوه في البئر، ونال منهم ألواناً من الأذى ثم يقول لهم بعد أن منّ الله عليه بالتمكين في الأرض : ( لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) . يوسف ( 92 ) .

يا سبحان الله ، يعفو عن إخوته الذين حاولوا قتله ، وبعضنا يغضب على إخوته ويقطع التعامل معهم لسنوات لإجل خلافٍ دنيوي " ربما كان ذلك الخلاف بسبب الأولاد . أو تدخل الزوجات بين الإخوة أو غير تلك الأسباب الغريبة ..

ياكرام ، ليكن العفو هو منهجنا وطريقنا .

لنكن من أصحاب القلوب الكبيرة التي يسجل التاريخ قصتها على صفحاتٍ من ذهب .
تأكدوا يا فضلاء أنه من عفا عفا الله عنه ، ومن صفح صفح الله عنه ، ومن غفر غفر الله له .

اللهم ارزقنا قلوباً سليمة تعفو عن الآخرين .

.....

الحمد لله القائل : ( وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ )[النور:22].

الحمد لله القائل: ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ )[الشورى:40].

معاشر المؤمنين ،،

في مجتمعاتنا ألوانٌ من الخلافات وهذه من طبيعة الحياة .

ولكن ليست المشكلة في هذه الخلافات ، إنما الخلل في ما يترتب بعدها من النزاع والشقاق بين المؤمنين .

هذا يختلف مع قريب له لأجل قطعة أرض فيترك السلام عليه وزيارته شهوراً بل وسنوات ، وهذا يخاصم أخته ويهجرها سنوات بسبب خلاف في وجهات النظر حول مواضيع لا تستحق .

وبين الزوجين يدخل الشيطان ويحدث الخلافات ويغيب العفو بينهما ويزداد القلبُ قسوةً وانتقاماً ، بل ربما وقع الطلاق نتيجةً لاختلاف وجهات النظر حول بعض صغائر الأمور .

أيها الكرام ..

كم نحن بحاجةٍ إلى أن نتربى على العفو وقبول العذر وسلامة القلب .

كم نحن بحاجة إلى كلمة " آسف " في حياتنا ، لعل الحب أن يعود ولعل شجرة المودة أن تنمو ولعل حبال الوصل أن تشتد .

إن بعض الناس يرى أن الانتقامَ شجاعةً ورجولة وأن العفو ضعف ومهانة ، لا والله ، فالعفو هو خلق الأنبياء والمرسلين وهدي العلماء والصالحين ، ومن عفا فهو حري بأن يعفو الله عنه .

قال تعالى: ( وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ )[النور:22].

هيا يا عبد الله عاهد نفسك على أن تدخل في بستان أهل العفو .

أيها الوالد اعف عن ولدك ولاتطرده من حنانك .

أيها الزوج اعف عن زوجتك وارجع لها ، وحتى لو وقعت طلقة فلعلك تعود وتمسح خطايا الماضي .

أيها الصديق عد لأحبابك واعف عنهم وتجاوز عن ما اقترفته أيديهم .

أيها المدير اعف عن موظفك الذي أخطأ معك قبل أيام .

أيها الكفيل اعف عن العامل الذي تحت يدك واقبل عذره لعل الله أن يعفو عنك .

إنك بعفوك تزداد رفعةً عند الله وعند الناس .

وفي الحديث الصحيح " وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزاً " رواه  مسلم .

اللهم ارزقنا قلوباً سليمة تحب العفو وتبادر إليه ، اللهم اعف عنا وعن والدينا وجميع المسلمين .

اللهم أعز دينك ، وانصر عبادك ، اللهم كن للمسلمين المستضعفين في كل مكان .

اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى ، اللهم يسرنا لليسرى وجنبنا العسرى .

 

عدد الزوار 5726
 
روابط ذات صلة