خطبة جمعة الأسبوع الأول -...
  المودة بين الكلاب ( قصة قصيرة )
  الجزء ( 12 ) المجموعة ( 2 )
  المجتمع بحاجة للثقافة في مسائل...
  
   
 
 
الرئيسة نتاج المشرف العام مقالات عامة المواعظإنها نعمة العين
 إنها نعمة العين
23 شعبان 1432هـ

 

صدق الله تعالى: ( أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ) .

إنها إحدى النعم الكثيرة التي أنعمها الله عليك، وكما قال أحد السلف : إذا أردت أن تعرف نعمة الله عليك فأغمض عينيك .

ولك أن تتخيل نفسك وأنت فاقد للبصر ، كيف ستكون حياتك لمدة ساعة واحدة ؟ فكيف لو كانت سنين عديدة ؟

ولعل الواحد منا ينسى هذه النعمة وشكرها؛ فإذا به يستخدمها في معصية الله تعالى ، فعجبًا له ، وأين شكر النعم ؟

إن هذه العين قد تكون باباً لك إلى مرضاة الله وجنانه حينما تسخرها في الحسنات ، ومن هذه الأبواب:

1- النظر إلى مخلوقات الله بقصد التفكر فيها والتأمل في عجائب صنع الله؛ كما قال: ( قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ) ( أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ) ( وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ) .

2- القراءة في كتاب الله تعالى، وفي القراءة حسنات كثيرة، ومنها: ( من قرأ حرفاً من كتاب الله؛ فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: " ألم | حرف؛ ولكن: " أَلِف " حرف، و " لام " حرف، و " ميم "  حرف ) [ صحيح الجامع: 6469 ].

وفي الحديث : ( اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران؛ فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان - أو غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف- يحاجان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة ) [ صحيح مسلم: 1910 ].

3- القراءة في العلم النافع، ولا ريب أن طلب العلم من أحب الأعمال إلى الله، وفيه من الفضائل ما يعجز القلم عن تسطيره؛ فهل يا تُرى سنسخر هذه العين في القراءة النافعة التي ترفع مستوى الجهل عنا، وتضيف إلينا علماً وحكمةً وبصيرةً؟

4- البكاء من خشية الله تعالى من أعظم حسنات العين، والنصوص في فضائل البكاء من خشية الله متواترة، ومنها: ( وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ) .

ومن الأحاديث: ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.. -إلى أن قال:- ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه ) [ البخاري: 629 - مسلم: 1031].

وقوله صلى الله عليه وسلم: ( عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله.. ) [  صحيح الجامع: 4113].

5- ومن حسنات العين: الحراسة في سبيل الله وحماية بلاد المسلمين من الأعداء ؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله ) [ صحيح الجامع: 4113 ].

وإذا كانت العين طريقًا إلى الجنان؛ فلنعلم أنها إن أهملناها وتركناها بلا رقيب فستقودنا إلى النيران عبر النظر المحرم الذي يُعتبر من أخطر مداخل الشيطان على الإنسان , ولقد تكاثرت النصوص بالتحذير من فتنة النساء؛ عبر النظر، أو الاختلاط , أو ما شابه ذلك.

وحديثي هنا عن خطر النظر إلى المرأة الأجنبية، وأنت عندما تتأمل قول الرب تبارك وتعالى حينما قال: ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهمْ ) تجد أن الله أمر بغض البصر قبل الأمر بحفظ الفرج وما ذلك إلا لأن حفظ البصر هو السبيل لحفظ الفرج.

وفي الحديث: ( ما تركتُ بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ) [ البخاري: 4808 - مسلم: 2740 ].

وإذا كان هذا الكلام قد خرج منه صلى الله عليه وسلم في عصره، حيث لم تكن مظاهر الافتتان بالمرأة كما هو الحال في عصرنا هذا؛ فكيف لو رأى حالنا ؟

ولقد بيَّن صلى الله عليه وسلم أن الجوارح تمارس " الزنا " فقال: ( العين تزني وزناها النظر.. ) [ مسلم: 2657]، وهذا دليل على أن العين بوابة للشهوات إذا أهملنا رعايتها.

ولما سُئِلَ صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة؛ فقال: ( اصرف بصرك ) [ مسلم: 2159 ].

وكان من وصاياه صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: ( يا علي لا تتبع النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى، وليست لك الثانية ) [ صحيح الجامع: 7953 ].

والمراد: أن النظرة الأولى ليس فيها إثم، ولا تؤثر في القلب، أما النظرة الثانية التي خرجت بقصد؛ فإنها عليك من ناحيتين:

أ- الإثم؛ لأنك قصدت النظر الحرام.

ب- التأثير على القلب؛ لأنها جاءت بقصد الاستمتاع المحرم.

وهذا النظر المحرم له أثره البالغ في تعلق القلب بالمنظور إليه حتى يصل إلى مراتب العشق - نسأل الله العافية - .

قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: كم نظرةٍ ألقت في قلب صاحبها البلابل.  [ روضة المحبين ص: 95 ].

والشاعر أوضح هذا المعنى بقوله :

وكنتَ متى أرسلتَ طرفكَ رائدًا     لقلبكَ يومًا أتـعبتكَ المـناظـرُ
رأيتَ الذي لا كُلُّه أـنت قـادر    عليه ولا عن بعضه أنت صابرُ

وإن المتأمل في صور الافتتان بالنظر المحرّم في واقعنا يجد العجب؛ فتأمل:

- في السوق تجد بعض النساء - هداهن الله - في لباس يثير الغرائز - من عباءة مطرزة وضيقة، ونقاب أو لثام يلفت الأنظار , فهل أصبح السوق مكانًا لعرض آخر الصيحات في عرض الأجساد ؟

والعجب يزداد من غفلة الرجال الذين يسمحون لنسائهم بهذا اللباس.

- مواقع التواصل لم تسلم من صور النساء - الثابتة والفيديو- وكم من جوال امتلأ بها، وكم من غافل نشر تلك الصور لأصحابه، وما علم بأن الإثم عليه أولاً؛ لأنه ساهم في نشر المنكرات والآثام، ولك أن تتخيل عندما يرى ذلك المراهق تلك الصور الفاتنة التي تثير الغرائز، وتحرك المشاعر؛ فمن الذي سيهدئ شهوته، ويكبح جماحها وقوتها ؟

ومشكلة الصور هذه أنها محفوظة في جهازه ، وأنه في الغالب يكرر النظر إليها باستمرار ليستمتع بها، وبعد ذلك يبحث عن غيرها.. وهكذا.

وما علم أن قلبه قد امتلأ بتلك السيئات التي رآها بعينه، وتألم بها؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: ( إن المؤمن إذا أذنب ذنباً كانت نُكِتَة سوداء في قلبه؛ فإن تاب ونزع واستغفر صُقِل منها، وإن زاد زادت حتى يغلف بها قلبه ) [ صحيح الترغيب: 3141 ].

- ومن صور الافتتان بالمرأة : زيارة بعض مواقع الإنترنت التي تمتلئ بالصور ، وكم في المنتديات وغرف الدردشة من فتن وصور نسأل الله الحماية من كيد الشيطان والنساء ، والغريب أن البعض يتساهل في النظر لتلك الصور بل ويجمعها في مجلدات خاصة وينظر إليها في كل فترة حتى يصبح من مدمني النظر المحرم ولا حول ولا قوة إلا بالله .

- ومن صور الافتتان بالنظر للنساء: ما تبثه القنوات من أفلام ومسلسلات اختاروا لها أجمل الفتيات ، وتجد الشباب يتساهلون بالنظر لهن - والله المستعان ، ناهيك عن قنوات الرقص والفحش والفجور، وانتشارها في جلسات بعض الفتيان والفتيات.

- ومن صور الافتتان بالنظر إلى النساء : السفر للسياحة في بلاد تتميز بذلك، وتجد بعض المسافرين يُخادع نفسه، ويُخادع أسرته، فيسافر وفي داخل نفسه أنه يريد أمراً آخر، ولعل هذا نسي أن الله يعلم ما في قلبه؛ كما قال تعالى: ( وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ) وقال سبحانه: ( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ) .

فيا من سافر لأغراض أخرى تذكر أن الله رقيب عليك، عليم بك.

- ومما تُذكر به من أهمل بصره في النظر أنه ( كما تدين تدان )؛ فاحذر من أن يعاقبك الله في عرضك، فتكون نساؤك عُرضةً لمن ينظر إليهن.

- واعلم أن الملائكة تكتب عليك هذه النظرات ( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ -  كِرَامًا كَاتِبِينَ - يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ) .

وبعد ذلك: تجد كتابك بين يديك يوم القيامة لتقرأه، ويُقال لك: ( اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ) .

فهل تسرُّكَ تلك النظرات والسيئات، أم أنك ستتمنى أنك لم تفعلها ؟

ويكون حالك كما قال تعالى: ( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ الله ) .

 

 

عدد الزوار 15505
 
روابط ذات صلة
الاسم : هيام
الدولة : الاردن
  
لم اقرا مثل هذا الكلام العذب واشكرك يا فضيلة الشيخ سلطان