وانطلقت أم نواف
  طالب العلم والدعوة
  جلْسَةٌ مع النفْس
  فوائد منوعة ( من أخبار السلف )
  
   
 
 
الرئيسة نتاج المشرف العام توجيهاتإلى طلبة العلم وصايا متفرقة لطالب العلم
 وصايا متفرقة لطالب العلم
18 ربيع الأول 1441هـ

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ؛ أما بعد:

فهذه وصايا متفرقة جمعتها لطلاب العلم ، وما ذاك إلا لأني رأيت أن طالب العلم في هذا الزمان يحتاج إلى مثل هذه الوصايا النافعة بإذن الله تعالى.

وأسأل الله أن يجعلنا ممن طلب العلم يبتغي بذلك رضوان الله ، كما أسأله أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.

أخي في الله ، اعلم أن العلم له آداب عظيمة ينبغي لك أن تتخلق بها حتى تكون عاملاً بالعلم ومن تلك الآداب:

- العمل بالعلم :

إننا نعلم الكثير من الأمور ولكن – وبصدق – لا نعمل إلا بأقل ما نعلم !

يا ترى هل نسينا أنه ( لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع... وعن علمه ماذا عمل به ) صحيح الجامع ( 7299 ).

وأنت لو نظرت في فهم السلف للعلم لرأيت أنهم كانوا يعتقدون أن المراد من العلم هو ثمرته من العمل به وتطبيقه، وإليك بعض أقوالهم التي تبين لك تعظيمهم لقضية العمل بالعلم، قال الفضيل: عالم عامل معلم يدعى كبيراً في ملكوت الســــماء .

وقال لقمان: إن العالم يدعو الناس إلى علمه بالصمت والوقار .

وقيل : الذي يفوق الناس في العلم جدير أن يفوقهم بالعمل .

 فيا طالب العلم أين العمل بما تعلمت ؟.

أين العمل بفضائل الأعمال ؟ أين العمل بالسنن والمستحبات ؟ ولماذا الوقوع في المخالفات والمنكرات مع العلم بتحريمها ؟

ولماذا التقصير في نصرة الدين مع أنك تعلم فضل الدعوة إلى الله ؟.

نعم أنت تعلم ولكنك لا تعمل، وهنا أخبرك بقول أبي الدرداء: إن أخشى ما أخشاه أن يقول الله لي علمت فهل عملت .

إننا بحاجة إلى أن نراجع أنفسنا مراجعة صادقة ؟

- جدد نيتك وأصلح سريرتك ، فالعبرة بالإخلاص والصدق مع الله تعالى ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) وجاهد نفسك ليكون مرادك من طلب العلم هو أن يرضى الله عنك وأن تعلم نفسك وتعلم غيرك.

- التثبت سواء في سماع العلم أو في القراءة أو غير ذلك من الوسائل في طلب العلم.

قال ابن عبد البر: ومن تأنى وتثبت تهيأ له من الصواب مالا يتهيأ لصاحب البديهة .

فعليك بالتثبت في مشوارك العلمي، فتثبت من الفتاوى التي تقرأها، وتثبت من صحة الأحاديث التي تراها، وتثبت من المسائل التي تتعلمها.

- أنت محتاج إلى خمس " عقل، ودين، وضبط لما تقول، وحذاقة بالصناعة مع أمانة تعرف منك " .

-إياك وأضعف العلم وهو " علم النظر" أن يقول الرجل رأيت فلاناً يفعل كذا ولعله قد فعله ناسياً، فأفعال الناس ليست بحجة إنما الحجة في الدليل.

والشرع ميزان الأموركلها         وشاهد لفرعها وأصلها

- إياك والإفتاء قبل أن تكون أهلاً له فإن الحذر منه هو منهج السلف حتى " إن كادت المسألة لتعرض على أحدهم ويود أن أخاه كفاه " .

- تعلم واعمل وادع واصبر " أمور أربعة سار عليها الأنبياء " فينبغي الإقتداء بهم، فكما أنك تقتدي بنبيك في عبادته فاقتد به في دعوته وتربيته لغيره.

- لا تأخذ العلم عن أربعة " سفيه معلن لسفهه، وصاحب هوى يدعو الناس إليه، ورجل معروف بالكذب في أحاديث الناس وإن كان لا يكذب على رسول الله، ورجل له صلاح و فضل لا يعرف ما يحدث به " .

- لا تخجل من قول:  لا أدري ، إن كنت لا تدري .

قال ابن وهب: لو كتبنا عن مالك: لا أدري: لملأنا الألواح .

وقال علي رضي الله عنه: ما أبردها على الكبد، قيل: وما ذاك ؟ قال: أن تقول للشيء لا تعلمه: الله أعلم .

- اعلم أن " القول لا يصح لفضل قائله بل لدلالة الدليل عليه " .

فاعلم أن أقوال العلماء لم نعتبر بها لذاتها إنما اعتبرنا بها وكانت حجة لنا لأنها وافقت الدليل الشرعي ، وإلا فإذا خالف القول الدليل الشرعي فلا عبرة به.

- جاهد نفسك عل الاستمرار والثبات على طريق الطلب ومن ثبت نبت ومفتاح الثبات بيد الله تعالى فاسأله إياه، واعلم – رعاك الله – أن المجاهدة على طريق العلم ليس يوم أو يومين ولا سنة أو سنتين بل هو معك حتى تلفظ أنفاسك الأخيرة فأنت مع العلم من المهد إلى اللحد.

- لا تستعجل ثمرة الطلب فإن " من استعجل أخطأ أو كاد " وقد فطر الإنسان على حب العجل, ( خلق الإنسان من عَجَلْ ) .

واعلم بأن من " رام العلم جمله ذهب عنه جمله " ولكن كن " صاحب بداية محرقة حتى تكون نهايتك مشرقة " والعلم يأتي مع الأيام والليالي.

- اعلم أن الاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية، فطريق الطلب قد يكن فيه نقص وأخطاء، هذا في البداية، ولكن بتقوى الرب وحُسن القصد وصلاح القول والعمل والاستمرار في طريق الطلب سوف تنزل عليك البركات الإلهية.

- لا بأس بالمناظرة في العلم بل " إن الفقه لا يوصل إليه ولا ينال أبدا دون تناظر فيه وتفهم له " .

ولكن عليك بأدب المناظرة والمحاورة ورأسه " الإخلاص لله تعالى والتجرد للحق " .

- تعلق بالدليل في مسيرك في طلب العلم فهو المعيار الحقيقي .

قال الشوكاني: فالمعيار الذي لا يزيغ أن يكون طالب العلم مع الدليل في جميع موارده ومصادره لا يثنيه عنه شيء ولا يحول بينه وبينه حائل.

- عليك بالفهم الصحيح للمسائل العلمية، وإياك وسوء الفهم فهو آفة عظيمة ، وكم زلت بسببه من أقدام، فكن حريصا على أن يكون فهمك للمسائل هو الفهم الصحيح، والحجة في هذا فهم السلف المجمع على مكانتهم رضي الله تعالى عنهم.

- عليك بالسؤال عما أشكل ولا يمنعك الحياء فإنه " من رق وجهه عند السؤال رق علمه عند الرجال " .

قال مجاهد: لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر، وقال ابن القيم : من خير خصال الرجل السؤال عن العلم .

وأوصيك أن تلتزم أدب السؤال مع العلماء، فعليك باختيار الوقت المناسب، وعليك بانتقاء الألفاظ الجيدة، وعليك باختصار السؤال وعدم تفريع السؤال إلى عشرات المسائل، وإياك أن تسأل ( أسئلة افتراضية ) يندر وقوعها فأوقات العلماء أغلى من أن تضيعها بافتراضاتك وأسئلتك, ولاتكن ممن يسأل العلماء لكي يختبر علمهم أو لأغراض أخرى .

قال ابن القيم : إذا جلست العلماء فاسأل تفقها لا تعنتا.

وما أجمل أن تدعو للشيخ وللمفتي ولمن علّمك الإجابة.

- لتكن صاحب همة عالية في الحفظ والرحلة والقراءة.

- يا طالب العلم ارتفع بهمتك فالبقاء للأعلى، وسابق إلى الخيرات و إذا استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحد فافعل ، متذكّراً وعد الله للسابقين للخيرات قال سفيان: إن من كمال التقوى أن تبتغي إلى ما قد علمت علم ما لم تعلم .

- مذاكرة العلم ومدارسته .

قال الزهري: إنما يذهب العلم النسيان وقلة المــــذاكرة  ، وقال الخطــيب: كن على مدارسة ما في صدرك أحرص منك على مدارسة ما في كتبك .

وطريقة هذه المدارســـة: أن تراجع العلم مع نفسك ، وتناقش نفسك في المسائل التي درستها، ونحو ذلك من الوسائل، وهناك مدارسة مع الغير من الطلاب وهي من أنفع أسباب تحصيل العلم .

قال النووي: فإنه بالمذاكرة يثبت المحفوظ ويتحرر, ويتأكد، ويتقرر، ويزداد بحسب كثرة المذاكرة، ومذاكرة حاذق في الفن ساعة أنفع من المطالعة والحفظ ساعات، بل أيام، وليكن في مذاكرته متحريا الإنصاف قاصدا الاستفادة أو الإفادة غير مترفع على صاحبه بقلبه ولا بكلامه ولا بغير ذلك من حاله، مخاطبا له بالعبارة الجميلة اللينة، فبهذا ينمو علمه وتزكو محفوظاته. 

- تسجيل العلم: قال الرسول صلى الله عليه وسلم ( قيدوا العلم بالكتاب) حديث حسن وقد قيل : ما كتب قر وما حفظ فرّ .

ولأن تدوين العلم مفيد لك عند المراجعة ولأنه قد يسمع المرء بعض الفوائد التي لا يجدها في كتاب فإذا فرط في تدوينها ربما خسر كنزاً عظيماً حتى قال الضحاك: إذا سمعت أدباً فاكتبه ولو في حائط .

وإليك هذه المسائل المهمة في تدوين الفوائد:

- لابد أن يكون معك أثناء القراءة ( قلم ) ومن هنا كان السلف يقدرون نعمة القلم.

- لابد من رسم خطة من الهدف من القراءة، فإن كان الهدف من قراءتك هو مجرد الإطلاع فهنا قد لا تستطيع أن تتقن فن تدوين الفوائد لأن الهدف غير واضح لك.

- كلما كان الهدف كبيراً كلما كانت الفوائد التي سوف تكتبها أكثر والوقت الذي سوف تمضيه أكثر ولكن لا تحزن على ذلك فالعبرة ليست في الانتهاء من القراءة إنما العبرة ( كم هي الفوائد ) التي حصلت عليها، مثال: لو أردت قراءة كتاب ( فتح المجيد في شرح كتاب التوحيد ) فهنا أسألك: ماهو هدفك ؟ فإن كان هدفك هو التأصيل العلمي لقضايا التوحيد، وهذا هدف رائع وجميل، فأقول لك: لابد أن تكتب ما يلي:

- مناسبة الأبواب بعضها لبعض .

– التقاسيم العلمية والفروقات في المسائل العقدية.

– التعاريف المهمة التي تمر بك أثناء القراءة – أشهر المسائل العلمية مع كتابة أسماء العلماء الذين يقولون بذلك القول.

– تدوين المسائل المجمع عليها في أبواب العقيدة .

– وكن على يقين أنك كلما كنت متقناً في كتابة الفوائد كلما حصلت من العلم الشيء الكثير في الوقت القليل.

- لا بد من ترتيب الأوراق التي كتبت فيها الفوائد.

- الاستمرار في طريق الطلب وعدم التوقف: قال بعض العلماء: من أراد أن يترك علمنا فليتركه الساعة إن صناعتنا من المهد إلى اللحد .

سئل أحد العلماء: إلى متى يكتب الرجل الحديث ؟

قال: حتى يموت، ويصب باقي حبره في قبره . السير 13/330 .

وأنت عندما تتأمل بعض طلاب العلم ترى الفتور عن طلب العلم بعد التخرج من الجامعة، أو بعد الزواج حتى تظن أن هذا الطالب كأنه لا يعرف فضل العلم مع أنه كان في يوم من الأيام من طلاب العلم الحريصين، ورحم الله أبا العباس السراج فقد قيل له – وهو يكتب في كهولته – إلى كم هذا ؟ فقال: أما علمت أن صاحب الحديث لايصبر. ولكن نسأل الله الثبات على الحق.

- نسبة العلم إلى أهله، قال ابن عبد البر: إن من بركة العلم أن تضيف الشيء إلى قائله.

فلا تنسب العلم إلى نفسك بل إذا أفادك أحد بفائدة فقل هذه الفائدة استفدتها من العالم الفلاني، أو هذه الفائدة قرأتها في الكتاب الفلاني، وهكذا، فعند ذلك تحصل لك البركة في العلم.

* القلوب وطلب العلم:

- عليك بالافتقار إلى الله وانكسار القلب بين يديه ، والافتقار إلى الله هو أن يشهد العبد في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة إلى الله تعالى من كل وجه .

فيا من سلك طريق العلم، لا تعجب بنفسك ولا بعلمك، فالفضل كله من الله وحده، قال تعالى: ( وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ) .

- اعلم أن طلب العلم يحتاج إلى صبر طويل، فجاهد نفسك على الصبر والمصابرة، وفي الحديث ( ومن يتصبر يصبره الله ) أخرجه البخاري .

وتأمل ما جاء عن السلف لترى أنهم قد تجاوزوا مراحل عديدة في الصبر، وإنك لتتعجب من بعض طلاب العلم الذين آثروا الكسل والنوم على العلم، فالواحد منهم قد قرأ كتاب أو كتابين ويظن أنه قد بلغ الكمال في العلم، وأنه أصبح ( شيخ ).

- تنقية القلب من أمراض القلوب من العجب، الحسد، والحقد، واليقين التام بإطلاع الله على ما يدور في قلبك وضميرك ( والله يعلم ما في قلوبكم ) .

- الاهتمام بالتعبد لله تعالى والإكثار من الصلاة قال أحد العلماء: وينبغي لطالب العلم أن يكثر الصلاة ويصلي صلاة الخاشعين فإن ذلك عون على التحصيل والتعلم  .

ومما يعاب على بعض طلاب العلم التفريط في الصلوات الخمس، والتأخر عنها، ولاشك أن هذا ليس من سمات طالب العلم.

- ترويح النفس وإعطاءها شئ من المباح لأن القلب يمل كما يمل البدن، وطالب العلم الحكيم هو الذي إن رأى النفس قد أصابها الملل والقسوة ( يتوقف ) لفترة وجيزة، ثم يبدأ بعد ذلك عند نشاط النفس وقوتها.

- قال العباس لابنه: لا تتعلم العلم لثلاث خصال: لا ترائي به، ولا تماري به، ولا تباهي به، ولا تدعه لثلاث رغبة في الجهل، وزهادة في العلم، واستحياء من التعلم .

- العزلة أحياناً لا دائماً لكي تحاسب نفسك وتنجو بها من الناس ولكن ( تفقه ثم اعتزل ) أما الجاهل فلا.

- ترك العجب لأن العجب يهدم المحاسن، وهو ( آفة الألباب ) واعلم أن من وهبك العلم قادر على أن يسلبه منك فاحذر (مكر الله ).

- اكتم حسناتك كما تكتم سيئاتك .

- احذر أن يخالف قولك فعلك بل إذا أمرت بأمر فكن أول الفاعلين له وإذا نهيت عن شئ فكن أول المنتهين عنه .

ولأن الناس قد جبلوا على عدم التأثر بمن لا يعمل بعلمه، وأخشى أن يكون ذلك من النفاق، وقد سُئل حذيفة عن النفاق فقال: أن تتكلم بالإسلام ولا تعمل به .

لا تنه عن خلق وتأتي مثله       عار عليك إذا فعلت عظيم

- التأمل للعلم والتفهم قال أحد العلماء: ينبغي لطالب العلم أن يكون متأملاً في جميع أوقاته في دقائق العلوم ويعتاد ذلك فإنما يدرك الدقائق بالتأمل ولهذا قيل:  تأمل تدرك .

- عليك بالاتباع وترك الابتداع وكن ممن سار على هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في أبواب الدين جميعا في الاعتقاد والأعمال والأخلاق موقناً أنه ليس لأحدٍ أن يضع عقيدة ولا عبادة من عند نفسه بل عليه أن يتبع ولا يبتدع ويقتدي ولا يبتدي .

* وللأخلاق نصيب:

- جمل ظاهرك بالأدب وحسن الخلق مع الناس كلهم على اختلاف أجناسهم وما استجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب ولا استجلب حرمانها بمثل قلة الأدب .

- اتق الله في لسانك لا تلطخه بغيبة العلماء فتندم ولات حين مندم.

- عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به فالجزاء من جنس العمل.

- عليك بالتورع في الكلام في الناس. قال الذهبي:  والكلام في الرجال لا يجوز إلا لتامّ المعرفة تامّ الورع .

 فحذار ياطالب العلم من الكلام في الناس إلا بورع وخوف من الله تعالى، وانظر في كلامك إن كان من وراءه مصلحة وإلا فلا، واحذر أن يكون خصمك يوم القيامة أحد العلماء أو الدعاة .

- إياك وحب الشهرة والتصدر فهي شهوة خفية، وأيقن بأن الله يعلم ما في السرائر وستعلم يوم الحشر أي سريرة تكون عليها يوم تبلى السرائر .

- لا بأس بالمزاح أحياناً لا دائماً والناس في سجن ما لم يتمازحوا .

وهذا رسول الله صلى اله عليه وسلم كان يمزح ولكن كان ( لا يقول إلا حقاً )، ولكن ليكن المزاح في الكلام كالملح في الطعام.

- ترك المعاصي ، لأنك أوتيت علماً فلا تطفئ نور علمك بظلمات الذنوب .

قال ابن القيم: فإن العلم نور يقذفه الله في قلب العبد، والهوى والمعصية رياح عاصفة تطفئ ذلك النور أو تكاد ولا بد أن تضعفه .

وإنك لتتعجب من بعض من الطلاب، فالغيبة والكذب والنظر المحرم والتأخر عن الصلاة من سماتهم, فأين ثمرة العلم ؟.

- ترك الفضول في جميع الأمور .

فضول النظر، وفضول الكلام وفضول العلم ومن اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يعنيه . .

قال ابن عبد البر: بترك الفضول تكمل العقول .

فأوصيك أن تعرض عما لا يعنيك في كافة الأمور، وجاهد نفسك على علو الهمة فيما يعنيك.

- الاعتراف بالخطأ إن تبين لك خطأك والرجوع للحق .

قال أبو نصر: الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل والمتمادي في الباطل لم يزدد من الصواب إلا بعداً .

 فلا بأس يا طالب العلم أن ترجع عن خطأ وقعت فيه في كلامك أوفي فعلك فلست بمعصوم، أما أن تستمر على الخطأ وتصر على المعصية فلا.

- يا طالب العلم سوف ترى الغربة الحقيقية لهذا الدين من قلة السالكين في طلب العلم ولكن أوصيك أن لا تستوحش من قلة الرفيق ولا من فقده واستشعر مرافقة الرعيل الأول الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهذه سنة الله الجارية وقد صدق القائل: العلماء غرباء لكثرة الجهال ، واعلم بأن انفرادك في طريق طلبك دليل على صدق الطلب .

- احرص على ترقيق قلبك بالمواعظ والقصص، فالقلب الرقيق أحب القلوب إلى الله تعالى، ولاتكن من أولئك الذين اعتنوا بتحصيل المسائل وغفلوا عن إصلاح قلوبهم وتزكية أنفسهم بصالح الأعمال.

- سوف تأتيك فرص في تحصيل العلم قد لا تتكرر فكن ممن يعرف كيف يجعل من كل وسيلة طريقا لتحصيل العلم ونشره.

- كن جواداً بمالك ووقتك ونفسك وعلمك ، والله سبحانه قد ضمن المزيد للجواد والإتلاف للممسك والله المستعان .

وهاهو الرسول صلى الله عليه وسلم الذي حقق الجود في سائر أنواع الحياة فليكن قدوة لك في ذلك حفظك الله .

· كن جواداً بالبشر والانبساط للخلق والابتسامة لهم فهذا الجود مما تفاوتت فيه مراتب الخليقة وهو أثقل شيء يوضع في الميزان وفيه من المنافع وأنواع المسار مافيه .

- ليبلغ الشاهد منكم الغائب ، من ألحّ في طلب العلم أورثه الفقر . قال شعبة : من طلب الحديث أفلس . وقال مالك:  إن هذا الأمر لن ينال حتى يذاق فيه طعم الفقر .

فيا طالب العلم ابذل مالك في سبيله متذكراً قول الله تعالى: ( وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ) .

- خذ الحكمة الطيبة ممن قالها وإن لم يعمل بها فإن الله تعالى قال ( الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه ) .

- عظّم مجلس العلم فهذا من تعظيم العلم ولا ترفع صوتك فقد أخبر الإمام مالك أن ذلك داخل في ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ  ) .

- ترك المراء والجدال ، قال مالك : المراء يقسي القلب ويورث الضغن .

فإياك والجدال والخصومات، ورفع الأصوات لأنك تحمل في صدرك العلم، وكفى به شرفا وفضلا، ولا يعني هذا أن نترك الحوار العلمي النافع، لا، إنما المقصود أن نلتزم بأدب عند الحوار .

- قبول الحق من أي شخص .

قال ابن تيمية : والحق يقبل من كل من تكلم به .

فأوصيك أن تجاهد نفسك على قبول الحق دائما، حتى لو كان الذي جاء به لا تعرفه لأن الحق يقبل لذاته لا لمن جاء به.

· الزهد في الرئاسة والشهرة .

قال أبو نعيم : والله ما هلك من هلك إلا بحب الرئاسة .

وقال آخر: من طلب الرئاسة بالعلم صغيراً فاته علم كثير .

وأنت عندما تنظر لبعض طلاب العلم الذين لم تستنر قلوبهم بمنهج السلف في الطلب، ترى الواحد منهم يستعجل في التصدر والترأس ويود أن يظهر للناس كما ظهر " فلان " ولا شك أن هذا من الآفات في طريق العلم.

- ليس العاِلم الذي يعرف الخير والشر ، إنما العالم الذي يعرف الخير فيتبعه ويعرف الشر فيجتنبه .

- لا تجالس بعلمك السفهاء ولا تجالس بسفهك العلماء .

والمعنى لا تلقي العلم في مجالس السفهاء الذين لا يقدرون العلم، وأيضاً لا تكون في مجالس العلماء سفيها كأنك في مجلس لعب، بل عظم مجالس العلماء وذلك بحسن الأدب.

- ليس من حبك الدنيا التماسك ما يصلحك منها .

فلا مانع لطالب العلم أن يتاجر ويبحث عن الرزق لكي يستغني عن الناس ولكن لا تلهيك التجارة عن طلب العلم الذي هو سبب الرفعة والعز والتوفيق.

* وللدعوة نصيب:

- إذا جلست للناس فكن واعظاً لهم ولنفسك فإنهم يراقبون ظاهرك والله يراقب باطنك .

- كما أنك ممن يحبون العلم وتحصيله فما أجمل أن تسعى لنشر العلم وأن تكون ممن يتقن فن نشر العلم، فإن العامة بحاجة إلى ما عندك، فيا ترى متى تبدأ في برنامج عملي في نشر العلم ودعوة الناس إلى الهدى ؟

- كن عالماً " استنار بنوره واستنار به الناس فأنت إذاً من خلفاء الرسل، واحذر من أن تكون ممن استنار بنوره ولم يستنر به الناس فأنت إن لم تفرط كان نفعك قاصراً على نفسك، ولا تكن ممن لم يستنر بنوره ولا استنار به غيره فهذا علمه وبال عليه  " .

- اعلم أن للعلم ثمن فما هو ؟ قال عكرمة : إن للعلم ثمناً فأعطوه ثمنه ؟ قالوا: وماثمنه ؟ قال : أن تضعه عند من يحسن حفظه ولا يضيعه .

- من كمال التقوى أن لا تحب أن يظهر الخطأ من غيرك بل تريد أن يظهر الصواب من أخيك كما تحب أن يظهر منك قال الشافعي : ما ناظرت أحداً فأحببت أن يخطئ .

قال ابن المبارك:  لا أعلم بعد النبوة درجة أفضل من بث العلم .

وقال ابن القيم: فمن طلب العلم ليحيى به الإسلام وأهله كان من الصديقين .

- تواضع لمن تتعلم منه وتواضع لمن يتعلم منك ، فالشرف كل الشرف في التواضع ،  وهكذا تربى الأنبياء.

- احرص على مجالسة العلماء لأن فيها حياة للقلوب، قال ميمون بن مهران: وجدت صلاح قلبي في مجالسة العلماء .

فالزم أهل العلم وطلاب العلم الذين هم على نهج السلف الصالح.

- أوصيك أن تستغل وجود العلماء وطلاب العلم الذين أنت بينهم، فأنت في نعمة، كثيرون من الناس يتمنونها، فالمسلمون في بلاد بعيدة يتمنون أن يروا عالما من العلماء الربانيين، وأنت في بلد مليء بالعلماء وطلاب العلم، فلماذا أنت مقصر في الاستفادة منهم؟.

· توقير العلماء .

 قال طاووس: من السنة أن توقر العالم .

وذلك لأن للعلماء حقوق علينا ولعل من أعظم هذه الحقوق " تقديرهم " .

وكما ورد في الحديث: ( ليس منا من لا يرحم صغيرنا ولا يعرف لعالمنا حقه )  صحيح الجامع 5443 .

- قال الحكماء: إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول .

 وهذا الأدب نحتاجه كثيرا عند حضورنا إلى مجالس العلماء أو سماع كلامهم، والغريب أن بعض من يطلب العلم حريص على الرد على العلماء وتخطئتهم حتى وهو ضعيف العلم ، ولاشك أن هذا من الخذلان في طلب العلم.

- مازال علمائنا يختلفون في المسائل ، فافهم ذلك ولكن مع ذلك فقلوبهم على بعض سليمة و " ما يمنع أن نكون إخواناً ولو اختلفنا في المسألة " .

فياطالب العلم ليكن صدرك واسعا في قبول خلاف العلماء في المسائل التي تقبل الخلاف.

- لا تذكر أحداً من العلماء بسوء لمجرد خطأ فليس هو بمعصوم ، قال ابن تيمية:  ليس من شرط ولي الله أن يكون معصوماً .

- عامل الناس بمبدأ ( الإنصاف ) فهو الميزان الذي ارتضاه الله لخلقه كما قال تعالى: ( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) فكيف لا ترتضيه أنت ورحم الله الإمام مالك فقد قال: أقل ما في زماننا الإنصاف .

ويا سبحان الله إذا كان هذا في زمن الإمام مالك فكيف بزماننا نحن ؟.

- إياك أن تذكر أخطاء العلماء بين عامة الناس، لأن العامة ليس عندهم مقياس صحيح للنقد ، وحتى نحفظ مكانة العلماء عاليا.

- اعلم أنه " ليس من عالم ولا شريف ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من كان فضله أكثر من نقصه ذهب نقصه لفضله كما أن من غلب عليه نقصانه ذهب فضله  " .

· لا تكثر من مخالفة العلماء فتحرم العلم . قال الزهري : كان أبو سلمة كثيراً يخالف ابن عباس رضي الله عنه فحرم لذلك علماً كثيراً  .

وقال ابن جريج : لم أستخرج العلم الذي استخرجته من عطاء إلا برفقي به. فكن رفيقا عند التلقي من العلماء ولا تكن ممن يسيء الأدب معهم !.

- لا تكونُ عالماً حتى يكون فيك ثلاث خصال: ( لا تبغي على من فوقك و لا تحقر من دونك ولا تأخذ على علمك دنيا ).

* فقه الابتلاء :

· لابد أن تمر بك عاصفة الابتلاء ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ) .

فأوصيك أن تدعو ربك دائما بالثبات، وكن فقيها في تعاملك مع البلاء ، واعلم أن البلاء قد يكون في نفسك، وقد يكون في زوجتك، وقد يكون في ولدك، أو وظيفتك، وقد يكون في اتهام الناس لك ببعض التهم الباطلة، وقد يكون في نقص لأموالك ، وأنواع الابتلاء لا تعد ولا تحصى .

وكم هي الأسرار والفوائد التي تكون من وراء ذلك البلاء، فكن ممن يحمد الله في الضراء والسراء، وهذا البلاء فيه رفعتك عند الله تعالى وفيه من الخير مالا يعلمه إلا الله تعالى: ( لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ  ) ، ( فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ) .

- كن شحيحاً بوقتك فلا تضيعه في التوافه والأمور التي لا تنفع، والوقت هو الحياة، ووالله إن من أكبر أسباب علو مقام السلف هو أنهم عمروا أوقاتهم بالعلم النافع ، ولا يخفى عليك القصص العجيبة عن السلف في استغلالهم لأوقاتهم.

- قد تكون في بيئة يقل فيها العلم والعلماء والموجهين لك إلى طريق العلم، فأوصيك أن تبحث بهمة عالية عمن يرشدك إليهم أو يبين لك الطريق الصحيح، ولا تترك العلم لأجل ذلك، وانظر إلى حال السلف.

- إذا صعبت عليك المسائل و التبست عليك القضايا، فتوجه إلى بوابة الدعاء وأقرع باب السماء وانتظر الفتح الرباني لك ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) .

- أنت محتاج إلى الفقه في عبادة الله وإلى الفقه في المعاملة مع الناس فإن جمعت بينهما على ساق العلم فقد أفلحت ونجحت.

- انظر كثيرا في سير الأنبياء والصالحين لترى فيهم القدوة في العلم والعمل وسائر الخيرات ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ ) .

يا طالب العلم: اعلم أن هناك آفات على الطريق:

فمنها:

- قال ابن عبد البر: ومن أدب العالم ترك الدعوى لما لا يحسنه وترك الفخر بما يحسنه  .

- إياك أن تبدأ في ( التأليف ) وأنت لازلت ( في البداية ) فالتأليف باب لا يدخله إلا أهله، ومن شرطه الرسوخ في العلم ، ورحم الله السلف فلو نظرت في أكثر كتبهم لرأيت في مقدمة الكتاب بيان أن من دواعي تأليفه أنه سئل، أو لما رأى من حاجة الناس لذلك ، وغير ذلك من أدلة الورع عن التأليف.

وأنا لا أعني أنه لا يكتب إلا من أحاط بالمسائل الشرعية من أولها إلى آخرها، فهذا نادر، وإنما أقصد ( المتعالمين ) الذين أخذوا قلم التأليف مع أنهم ليسوا من أهله، فالله الله في الورع في هذا الباب، ومن جانب آخر نحن بحاجة إلى أن نستفيد من الأقلام الجيدة التي تكتب في دعوة الناس إلى الهدى وبيان الحق، وهذا له ضوابط لابد من العناية بها.

ومن جانب آخر:

أنا أدعو كل من أوتي (حسن التأليف ) أن يبرز للميدان ويستعين بالواحد المنان وأن يطلق قلمه في خدمة الإسلام، والقلم أحد اللسانين، وغيرها من وسائل الإعلام النافعة  .

تمت كتابة هذه الوصايا في عام 1417

 

 

 

عدد الزوار 403
 
روابط ذات صلة