أنت صفحة من التاريخ
  صلاة الفجر يا أبي
  خلق المسلم عند المصائب والأمراض
  فاستمسك بالذي أوحي إليك
  
   
 
 
الرئيسة نتاج المشرف العام بحوثفوائد من كتب فوائد من كتاب " قواعد الأحكام في مصالح الأنام "
 فوائد من كتاب " قواعد الأحكام في مصالح الأنام "
29 ذو القعدة 1440هـ

فوائد من كتاب " قواعد الأحكام في مصالح الأنام "

لأبي محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي، الملقب بسلطان العلماء ( المتوفى: 660هـ ) .

 

5- معظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروف بالعقل .

5- لا يخفى على عاقل قبل ورود الشرع أن تحصيل المصالح المحضة ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان وعن غيره محمود حسن .

5- وأن تقديم أرجح المصالح فأرجحها محمود حسن، وأن درء أفسد المفاسد فأفسدها محمود حسن .

8- فلا سعادة أصلح من العرفان والإيمان وطاعة الرحمن، ولا شقاوة أقبح من الجهل بالديان والكفر والفسوق والعصيان.

9-  قدّم الأولياء والأصفياء مصالح الآخرة على مصالح هذه الدار لمعرفتهم بتفاوت المصلحتين ودرءوا مفاسد الآخرة بالتزام مفاسد بعض هذه الدار لمعرفتهم بتفاوت الرتبتين.

10- فيما تُعرف به مصالح الدارين ومفاسدهما :

أما مصالح الدارين وأسبابها ومفاسدها فلا تُعرف إلا بالشرع، فإن خفي منها شيء طُلب من أدلة الشرع وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس المعتبر والاستدلال الصحيح.

وأما مصالح الدنيا وأسبابها ومفاسدها فمعروفة بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات، فإن خفي شيء من ذلك طُلب من أدلته .

11- والشريعة كلها مصالح إما تدرأ مفاسد أو تجلب مصالح، فإذا سمعتَ الله يقول: { يا أيها الذين آمنوا } [البقرة: 104] .

فتأمل وصيته بعد ندائه، فلا تجد إلا خيرا يحثك عليه أو شرا يزجرك عنه، أو جمعا بين الحث والزجر وقد أبان في كتابه ما في بعض الأحكام من المفاسد حثا على اجتناب المفاسد وما في بعض الأحكام من المصالح حثا على إتيان المصالح.

11- اعلم أن اكتساب العباد ضربان: أحدهما ما هو سبب للمصالح وهو أنواع:

أحدها: ما هو سبب لمصالح دنيوية.

والثاني: ما هو سبب لمصالح أخروية.

الثالث : ما هو سبب لمصالح دنيوية وأخروية، وكل هذه الاكتسابات مأمور بها، ويتأكد الأمر بها على قدر مراتبها في الحسن والرشاد .

11- الضرب الثاني من الاكتساب ما هو سبب للمفاسد وهو أنواع: أحدهما: ما هو سبب لمفاسد دنيوية .

الثاني : ما هو سبب لمفاسد أخروية .

الثالث: ما هو سبب لمفاسد دنيوية وأخروية، وكل هذه الاكتسابات منهي عنها، ويتأكد النهي عنها على قدر مراتبها في القبح والفساد.

13-  فأما طلاب الآخرة فاقتصروا من طلب لذات الدنيا وأفراحها على ما يدفع الحاجة أو الضرورة واشتغلوا بمطالب الآخرة .

13-  وعلى الجملة فمن أقبل على الله أقبل الله عليه، ومن أعرض عن الله أعرض الله عنه، ومن تقرب إلى الله شبرا تقرب منه ذراعا، ومن تقرب منه ذراعا تقرب منه باعا، ومن مشى إليه هرول إليه .

13- وأفضل ما تُقرب به التذلل لعزة الله والتخضع لعظمته ، والتبرئ من الحول والقوة إلا به، وهذا شأن العارفين، وما خرج عنه فهو طريق الجاهلين أو الغافلين .

16- والخواطر ضربان:

أحدهما ما يرد على القلوب من غير اكتساب كورود المياه على الأنهار.

الضرب الثاني: ما يرد على القلوب من الخواطر بالاكتساب، وعلى الاكتساب يترتب المدح والذم والثواب والعقاب.

19- ومن السعادة أن يختار المرء لنفسه المواظبة على أفضل الأعمال فأفضلها بحيث لا يضع بذلك ما هو أولى بالتقديم منه .

19- والسعادة كلها في اتباع الشريعة في كل ورد وصدر، ونبذ الهوى فيما يخالفها؛ فقد قال تعالى: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} [طه: 123] .

أي فلا يضل في الدنيا عن الصواب ولا يشقى في الآخرة بالعذاب.

19- { ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما } [الأحزاب: 71] .

ما من طاعة يأتي بها الطالب على وجهها إلا أحدثت في قلبه نورا، وكلما كثرت الطاعات تراكمت الأنوار حتى يصير المطيع إلى درجات العارفين الأبرار { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } [العنكبوت: 69] وهذا مما يعرفه المطيعون المخلصون.

19- فإذا خلت الأعمال عن الإخلاص لم يزدد العاملون إلا ظلمة في القلوب، لأنهم عاصون بترك الإخلاص وإبطال ما أفسده الرياء والتصنع من الأعمال.

20- في بيان ما رُتب على الطاعات والمخالفات :

الطاعات ضربان: أحدهما ما هو مصلحة في الآخرة كالصوم والصلاة والنسك والاعتكاف.

الضرب الثاني: ما هو مصلحة في الآخرة لباذله وفي الدنيا لآخذيه كالزكاة والصدقات والضحايا والهدايا والأوقاف والصلاة، والخير كله في الطاعات والشر كله في المخالفات .

20- ولذلك جاء القرآن بالحث على الطاعات دقها وجلها قليلها وكثيرها جليلها وحقيرها، والزجر عن المخالفات دقها وجلها قليلها وكثيرها جليلها وحقيرها .

فأما الحث على الطاعات فبمدحها وبمدح فاعليها، وبما وعدوا عليها من الرضا والمثوبات، وبما رتب عليها في الدنيا من الكفاية والهداية، والتأهل للشهادة والرواية والولاية.

20 - وأما الزجر عن المخالفات فبذمها وذم فاعليها، وبما وعدوا عليها من السخط والعقوبات.

22- المشروعات ضربان:

أحدهما ما ظهر لنا أنه جالب لمصلحة أو دارئ لمفسدة، أو جالب دارئ لمفسدة، أو جالب دارئ لمصلحة، ويعبر عنه بأنه معقول المعنى.

الضرب الثاني: ما لم يظهر لنا جلبه لمصلحة أو درؤه لمفسدة، ويعبر عنه بالتعبد.

22- طلب الشرع لتحصيل أعلى الطاعات، كطلبه لتحصيل أدناها في الحد والحقيقة، كما أن طلبه لدفع أعظم المعاصي كطلبه لدفع أدناها، إذ لا تفاوت بين طلب وطلب .

24- ولم أقف في عقوق الوالدين ولا فيما يختصان به من الحقوق على ضابط أعتمد عليه، فإن ما يحرم في حق الأجانب فهو حرام في حقهما وما يجب للأجانب فهو واجب لهما .

ولا يجب على الولد طاعتهما في كل ما يأمران به ولا في كل ما ينهيان عنه باتفاق العلماء .

29- المصالح والمفاسد في رتب متفاوتة، وعلى رتب المصالح تترتب الفضائل في الدنيا، والأجور في العقبى، وعلى رتب المفاسد تترتب الصغائر والكبائر وعقوبات الدنيا والآخرة .

36- فإن الشرع يثيب على الوسائل إلى الطاعات كما يثيب على المقاصد، مع تفاوت أجور الوسائل والمقاصد.

38- مراعاة الخشوع في الصلاة .

وأما الإبراد بالظهر مع ما فيه من تفويت المبادرة إلى الصلاة فإنه من باب تقديم مصلحة راجحة على مصلحة مرجوحة، فإن المشي إلى الجماعات في شدة الحر يشوش الخشوع الذي هو أفضل أوصاف الصلاة، فقدم الخشوع الذي هو من أفضل أوصاف الصلاة على المبادرة التي لا تدانيه في الرتبة .

ولهذا المعنى أمر بالمشي إلى الجماعة بالسكينة والوقار مع ما فيه من تفويت النداء وتكميل الاقتداء بالإمام، لأنه لو أسرع لانزعج وذهب خشوعه؛ فقدم الشرع رعاية الخشوع على المبادرة وعلى الاقتداء في جميع الصلوات .

وكذلك تؤخر الصلاة بكل ما يشوش الخشوع كإفراط الظمأ والجوع، وكذلك يؤخرها الحاقن والحاقب، وينبغي أن يؤخر بكل مشوش يؤخر الحاكم الحكم بمثله.

38- وكذلك تؤخر الصلاة إلى آخر الأوقات في حق من يتيقن وجود الماء في أواخر الأوقات؛ لأن فضيلة الصلاة بطهارة الماء أفضل من المبادرة إلى الجماعات، وإنما فضلت لأن اهتمام الشرع بشرائط العبادات أعظم من اهتمامه بالسنن المكملات .

45- فصل في تفضيل مكة على المدينة ، حيث ذكر نحو 12 وجه في ذلك ، وذلك من وجوه:

أحدها: وجوب قصدها للحج والعمرة وهذان واجبان لا يقع مثلهما في المدينة، فالإثابة عليهما إثابة على واجب، ولا يجب قصد المدينة بل قصدها بعد موت الرسول - عليه السلام - بسبب زيارته سنة غير واجبة.

الوجه الثاني: إن فضلت المدينة بإقامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد النبوة، كانت مكة أفضل منها؛ لأنه أقام بها بعد النبوة ثلاث عشرة سنة أو خمس عشرة سنة وأقام بالمدينة عشرا.

الوجه الثالث: إن فضلت المدينة بكثرة الطارقين من عباد الله الصالحين، فمكة أفضل منها بكثرة من طرقها من الصالحين والأنبياء والمرسلين، وما من نبي إلا حجها آدم ومن دونه من الأنبياء والأولياء، ولو كان لملك داران فضليان فأوجب على عبيده أن يأتوا إحدى داريه، ووعدهم على ذلك بغفران سيئاتهم ورفع درجاتهم وإسكانهم في قربه وجواره في أفضل دوره، لم يرتب ذو لب أن اهتمامه بهذا المكان أتم من اهتمامه بغيره من بيوته، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» . وقال: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» ، وقال في المدينة، «من صبر على لأوائها وشدتها كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة» .

الوجه الرابع: أن التقبيل والاستلام ضرب من الاحترام وهما مختصان بالركنين اليمانيين ولم يوجد مثل ذلك في مسجد المدينة على ساكنها أفضل السلام.

الوجه الخامس: أن الله أوجب علينا استقبالها في الصلاة حيثما كنا من البلاد والفلوات .

الوجه السادس: أن الله حرم علينا استدبار الكعبة واستقبالها عند قضاء الحاجات.

الوجه السابع: أن الله حرمها يوم خلق السموات والأرض، فلم تحل لأحد من الرسل والأنبياء إلا لنبينا - صلى الله عليه وسلم -، فإنها أحلت له ساعة من نهار.

الوجه الثامن: أن الله بوأها لإبراهيم الخليل - عليه السلام -، ولابنه إسماعيل - عليه السلام -، وجعلها مبوأ ومولدا لسيد المرسلين وخاتم النبيين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

الوجه التاسع: أن الله جعلها حرما آمنا في الجاهلية والإسلام.

الوجه العاشر: أن مكة لا تدخل إلا بحج أو عمرة، إما وجوبا أو ندبا، وليس في المدينة مثل ذلك ولا بدل منه.

الوجه الحادي عشر: أن الله عز وجل قال في مكة: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] ، عبر بالمسجد الحرام عن الحرم كله، وهذا من مجاز التعبير بالبعض عن الكل، كما يعبر بالوجه عن الجملة، وبالرأس عن الجملة.

الوجه الثاني عشر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اغتسل لدخول مكة، وهو مسنون ولم ينقل في المدينة مثل ذلك، وفي هذا نظر من جهة أن اغتساله لأجل الحج لا لأجل دخول البلد كما في غسل الإحرام .

وأما ما رواه من قوله - عليه السلام -: « اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إلي فأسكني في أحب البقاع إليك » . فهذا حديث لم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم – .

50- فصل في انقسام جلب المصالح ودرء المفاسد إلى فروض كفايات وفروض أعيان .

اعلم أن المصالح ضربان: أحدهما ما يثاب على فعله لعظم المصلحة في فعله، ويعاقب على تركه لعظم المفسدة في تركه وهو ضربان: أحدهما فرض على الكفاية كتعلم الأحكام الشرعية الزائدة على ما يتعين تعلمه على المكلفين إلى نيل رتبة الفتيا، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإطعام المضطرين، .

والثاني: فرض على الأعيان كتعلم ما يتعين تعلمه من أحكام الشريعة، وقراءة الفاتحة، وأركان الصلاة، وغير ذلك من عبادات الأعيان، وكذلك الحج والعمرة والصلوات والزكاة والصيام.

51- واعلم أن المقصود لفرض الكفاية تحصيل المصالح ودرء المفاسد دون ابتلاء الأعيان بتكليفه، والمقصود بتكليف الأعيان حصول المصلحة لكل واحد من المكلفين على حدته، لتظهر طاعته أو معصيته، فلذلك لا يسقط فرض العين إلا بفعل المكلف به، ويسقط فرض الكفاية بفعل القائمين به دون من كلف به في ابتداء الأمر.

53- الضرب الثاني من المصالح ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه .

وهو ضربان: أحدهما سنة على الكفاية كالأذان والإقامة .

والثاني سنة على الأعيان كالرواتب، وصيام الأيام الفاضلة، وصلاة العيدين والكسوفين .

والمفاسد ضربان: أحدهما ما يعاقب على فعله ويؤجر على تركه إذا نوى بتركه القربة كالتعرض للدماء والأبضاع والأعراض والأموال.

والثاني: ما لا يعاقب على فعله وتفوته مصلحة بتركه كالصلاة في الأوقات المكروهات، وغمس اليدين في الإناء قبل غسلهما لمن قام من المنام، وترك السنن المشروعات في الصلوات.

53- في انقسام المصالح والمفاسد إلى الوسائل والمقاصد .

الواجبات والمندوبات ضربان: أحدهما مقاصد، والثاني وسائل، وكذلك المكروهات والمحرمات ضربان: أحدهما مقاصد والثاني: وسائل .

وللوسائل أحكام المقاصد، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل،.

ثم تترتب الوسائل بترتب المصالح والمفاسد، فمن وفقه الله للوقوف على ترتب المصالح عرف فاضلها من مفضولها، ومقدمها من مؤخرها .

56- في بيان المفاسد وهي ضربان: ضرب حرم الله قربانه، وضرب كره الله إتيانه .

والمفاسد ما حرم الله قربانه رتبتان إحداهما: رتبة الكبائر وهي منقسمة إلى الكبير والأكبر والمتوسط بينهما، فالأكبر أعظم الكبائر مفسدة.

وكذلك الأنقص فالأنقص، ولا تزال مفاسد الكبائر تتناقص إلى أن تنتهي إلى مفسدة لو نقصت لوقعت في أعظم رتب مفاسد الصغائر وهي الرتبة الثانية.

ثم لا تزال مفاسد الصغائر تتناقص إلى أن تنتهي إلى مفسدة لو فاتت لانتهت إلى أعلى رتب مفاسد المكروهات وهي الضرب الثاني من رتب المفاسد، ولا تزال تتناقص مفاسد المكروهات إلى أن تنتهي إلى حد لو زال لوقعت في المباح.

57- تنقسم المصالح والمفاسد إلى نفيس وخسيس، ودقيق وجل، وكثر وقل، وجلي وخفي، وآجل أخروي وعاجل دنيوي، والدنيوي ينقسم إلى متوقع وواقع، ومختلف فيه ومتفق عليه، وكذلك ترجيح بعض المصالح على بعض، وترجيح بعض المصالح على بعض .

57- وترجيح بعض المفاسد على بعض، ينقسم إلى المتفق عليه والمختلف فيه، فالسعيد من فعل ما اتفق على صلاحه، وترك ما اتفق على فساده، وأسعد منه من ضم إلى ذلك فعل ما اختلف في صلاحه، وترك ما اختلف في فساده .

58- الأفعال ضربان:

أحدهما ما خفيت عنا مصالحه ومفاسده فلا نقدم عليه حتى تظهر مصلحته المجردة عن المفسدة أو الراجحة عليها، وهذا الذي جاءت الشريعة بمدح الأناة فيه إلى أن يظهر رشده وصلاحه.

59- الضرب الثاني ما ظهرت لنا مصلحته .

وله حالان: أحدهما ألا تعارض مصلحته مفسدته ولا مصلحة أخرى، فالأولى تعجيله .

والثانية أن تعارض مصلحته مصلحة هي أرجح منه مع الخلو عن المفسدة، فيؤخر عنه رجاء إلى تحصيله، وإن عارضته مفسدة تساويه قدمت مصلحة التعجيل لما ذكرنا فيما خلا عن المعارض. 59- والضابط أنه مهما ظهرت المصلحة الخلية عن المفاسد يسعى في تحصيلها، ومهما ظهرت المفاسد الخلية عن المصالح يسعى في درئها، وإن التبس الحال احتطنا للمصالح بتقدير وجودها وفعلناها، وللمفاسد بتقدير وجودها وتركناها.

60- إذا تعارضت المصلحتان وتعذر جمعهما فإن علم رجحان إحداهما قدمت، وإن لم يعلم رجحان، فإن غلب التساوي فقد يظهر لبعض العلماء رجحان إحداهما فيقدمها ويظن آخر رجحان مقابلها فيقدمه .

67- إذا ضاق وقت الفريضة بحيث لا يتسع لغيرها، فذكر صلاة نسيها قبل الشروع في الصلاة المؤداة أو في أثنائها فليؤد الأداء ويقضي الفائتة بعد خروج الوقت، لأنه لو قدم المقضية على المؤداة لفاتت رتبة الأداء في الصلاتين جميعا فتفوت مصلحة الأداء في الصلاتين، ولا شك أن تحصيل المصلحة في إحدى الصلاتين أولى من تفويتها في الصلاتين .

88- قد يتقدم المفضول على الفاضل بالزمان عند اتساع وقت الفاضل، كتقديم الأذان والإقامة والسنن الرواتب على الفرائض في أوائل الأوقات.

ومثل ذلك: تقديم المفضول الذي يخاف فوته على الفاضل الذي لا يخشى فوته؛ كتقديم حمدلة العاطس وتشميته في أثناء الأذان، وفي أثناء قراءة القرآن، وكتقديم السلام ورده المسنون على توالي كلمات الأذان وقراءة القرآن .

90- وإنما شرعت القرعة عند تساوي الحقوق دفعا للضغائن والأحقاد، وللرضاء بما جرت به الأقدار .

ومن ذلك تقارعهم على الأذان عند تساوي المؤذنين، ومن ذلك الإقراع في الصف الأول عند تزاحم المتسابقين، ومن ذلك الإقراع في تغسيل الأموات عند تساوي الأولياء في الصفات .

102- وإذا اختلط قتلى الكافرين بقتلى المسلمين وجب تغسيل الجميع وتكفينهم وحملهم، نظرا لإقامة مصلحة ذلك في حق المسلمين، ولا يصلى على الجميع، بل ينوى الصلاة على المسلمين خاصة، فتجهيز المسلمين مصلحة مقصودة، وتجهيز الكافرين وسيلة إلى تحصيل المصلحة المقصودة للمسلمين.

122- الكذب مفسدة محرمة إلا أن يكون فيه جلب مصلحة أو درء مفسدة، فيجوز تارة ويجب أخرى .

وله أمثلة: أحدها: أن يكذب لزوجته لإصلاحها وحسن عشرتها فيجوز لأن قبح الكذب الذي لا يضر ولا ينفع يسير، فإذا تضمن مصلحة تربو على قبحه أبيح الإقدام عليه تحصيلا لتلك المصلحة.

وكذلك الكذب للإصلاح بين الناس وهو أولى بالجواز لعموم مصلحته.

الثاني: أن يختبئ عنده معصوم من ظالم يريد قطع يده فيسأله عنه فيقول ما رأيته فهذا الكذب أفضل من الصدق، لوجوبه من جهة أن مصلحة حفظ العضو أعظم من مصلحة الصدق الذي لا يضر ولا ينفع، فما الظن بالصدق الضار؟ وأولى من ذلك إذا اختبأ عنده معصوم ممن يريد قتله.

113- من ترجيح المصالح على المفاسد: الغيبة مفسدة محرمة، لكنها جائزة إذا تضمنت مصلحة واجبة التحصيل، أو جائزة التحصيل .

ولها أحوال:

أحدها: أن يشاور في مصاهرة إنسان فذكره بما يكره كما قال « - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت قيس لما خطبها أبو جهم ومعاوية: إن أبا جهم ضراب للنساء، وإن معاوية صعلوك لا مال له » فذكرهما بما يكرهانه صحا لها ودفعا لضيق عيشها مع معاوية وتعريضا لضرب أبي الجهم. فهذا جائز، والذي يظهر لي أنه واجب لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنصح لكل مسلم.

الحالة الثانية: القدح في الرواة واجب، لما فيه من دفع إثبات الشرع بقول من لا يجوز إثبات الشرع به، لما على الناس في ذلك من الضرر في التحريم والتحليل وغيرهما من الأحكام.

وكذلك كل خبر يجوز الشرع الاعتماد عليه والرجوع إليه.

الحالة الثالثة: جرح الشهود عند الحكام فيه مفسدة هتك أستارهم، لكنه واجب لأن المصلحة في حفظ الحقوق من الدماء والأموال والأعراض والأبضاع والأنساب وسائر الحقوق أعم وأعظم، فإن علم منه ذنبين أحدهما أكبر من الآخر لم يجز أن يجرحه بالأكبر لأنه مستغنى عنه، وإن استويا تخير ولا يجمع بينهما.

114- النميمة مفسدة محرمة، لكنها جائزة أو مأمور بها إذا اشتملت على مصلحة للمنموم إليه .

مثاله: إذا نقل إلى مسلم أن فلانا عزم على قتله في ليلة كذا وكذا، أو على أخذ ماله في يوم كذا وكذا، أو على التعرض لأهله في وقت كذا وكذا، فهذا جائز بل واجب لأنه توسل إلى دفع هذه المفاسد عن المسلم، وإن شئت قلت لأنه تسبب إلى تحصيل مصالح أضداد هذه المفاسد.

ويدل على ذلك كله قوله تعالى: { وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك } [القصص: 20] الآية.

وكذلك ما نقله أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المنافقين.

116- من أمثلة الأفعال المشتملة على المصالح والمفاسد مع رجحان مصالحها على مفاسدها، قطع يد السارق إفساد لها، لكنه زاجر حافظ لجميع الأموال، فقدمت مصلحة حفظ الأموال على مفسدة قطع يد السارق.

118- التعزيرات شرعت دفعا لمفاسد المعاصي والمخالفات وهي إما حفظا لحقوق الله تعالى، أو لحقوق عباده، أو للحقين جميعا.

123- فصل في بيان الوسائل إلى المصالح .

 يختلف أجر وسائل الطاعات باختلاف فضائل المقاصد ومصالحها، فالوسيلة إلى المقاصد أفضل من سائر الوسائل، فالتوسل إلى معرفة الله تعالى ومعرفة ذاته وصفاته أفضل من التوسل إلى معرفة أحكامه، والتوسل إلى معرفة أحكامه أفضل من التوسل إلى معرفة آياته، والتوسل بالسعي إلى الجهاد أفضل من التوسل بالسعي إلى الجمعات، والتوسل بالسعي إلى الجمعات أفضل من التوسل بالسعي إلى الجماعات في الصلوات المكتوبات، والتوسل بالسعي إلى الصلوات المكتوبات أفضل من التوسل بالسعي إلى المندوبات التي شرعت فيها الجماعات كالعيدين والكسوفين .

وكلما قويت الوسيلة في الأداء إلى المصلحة، كان أجرها أعظم من أجر ما نقص عنها، فتبليغ رسالات الله من أفضل الوسائل، لأدائه إلى جلب كل صلاح دعت إليه الرسل، وإلى درء كل فاسد زجرت عنه الرسل .

127- والبيع الشاغل عن الجمعة حرام لا لأنه بيع، بل لكونه شاغلا عن الجمعة .

128- فإن علم الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن أمره ونهيه لا يجديان ولا يفيدان شيئا، أو غلب على ظنه، سقط الوجوب لأنه وسيلة ويبقى الاستحباب .

والوسائل تسقط بسقوط المقاصد، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يدخل إلى المسجد الحرام وفيه الأنصاب والأوثان ولم يكن ينكر ذلك كلما رآه.

وكذلك لم يكن كلما رأى المشركين ينكر عليهم .

وكذلك كان السلف لا ينكرون على الفسقة والظلمة فسوقهم وظلمهم وفجورهم، كلما رأوهم، مع علمهم أنه لا يجدي إنكارهم.

130- يختلف إثم المفاسد باختلافها في الصغر والكبر، وباختلاف ما تفوته من المنافع والمصالح .

135- وليس الدعاء مخصوصا بالولد، بل الدعاء شفاعة جائزة من الأقارب والأجانب .

137- كل صفة جبلية لا كسب للمرء فيها، كحسن الصور، واعتدال القامات وحسن الأخلاق، والشجاعة والجود، والحياء والغيرة، والنخوة وشدة البطش، ونفوذ الحواس، ووفور العقول، فهذا لا ثواب عليه مع فضله وشرفه لأنه ليس بكسب لمن اتصف به، وإنما الثواب والعقاب على ثمراته المكتسبة .

138- ولا أعرف في الوجود شيئا أكثر تقلبا في الأوصاف والأحوال من القلوب، لكثرة ما يرد عليها من الخواطر والقصور، والكراهة والمحبة، والكفر والإيمان، والخضوع والخشوع، والخوف والرجاء، والأفراح والأحزان، والانقباض والانبساط، والارتفاع والانحطاط، والظنون والأوهام، والشكوك والعرفان، والنفور والإقبال، والمسألة والملال، والخسران والندم، واستقباح الحسن واستحسان القبيح، ولكثرة تقلبها كان - عليه السلام - يقول: « يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك » .

147- الرياء إظهار عمل العبادة لينال مُظهِرها عرضا دنيويا إما بجلب نفع دنيوي، أو لدفع ضرر دنيوي، أو تعظيم أو إجلال .

فمن اقترن بعبادته شيء من ذلك أبطلها لأنه جعل عبادة الله وطاعته وسيلة إلى نيل أعراض خسيسة دنية، فاستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فهذا هو الرياء الخالص.

147- فصل في بيان التسميع في العبادات وأنواع الطاعات .

 وهو ضربان. أحدهما تسميع الصادقين وهو أن يعمل الطاعة خالصة لله، ثم يظهرها ويسمع الناس بها ليعظموه ويوقروه وينفعوه ولا يؤذوه. وهذا محرم وقد جاء في الحديث الصحيح: « من سمع سمع الله به. ومن راءى راءى الله به، وهذا تسميع الصادقين » .

الضرب الثاني: تسميع الكاذبين وهو أن يقول صليت ولم يصل، وزكيت ولم يزك، وصمت ولم يصم، وحججت ولم يحج، وغزوت ولم يغز. فهذا أشد ذنبا من الأول لأنه زاد على إثم التسميع إثم الكذب، فأتى بذلك معصيتين قبيحتين، بخلاف الأول فإنه آثم إثم التسميع وحده. وجاء في الحديث الصحيح: « المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور » .

148- ومن أمن الرياء لقوة في دينه فأخبر بما فعله من الطاعات ليقتدي الناس به، كان له أجر طاعته التي سمع بها وأجر تسببه إلى الاقتداء في تلك الطاعات التي سمع بها على اختلاف رتبها .

151- هل يكون انتظار الإمام المسبوق ليدركه في الركوع شركا في العبادة أم لا ؟

قلت: ظن بعض العلماء ذلك وليس كما ظن، بل هو جمع بين قربتين لما فيه من الإعانة على إدراك الركوع وهي قربة أخرى، والإعانة على الطاعات من أفضل الوسائل عند الله، ورتب تلك المعونات عند الله على قدر رتب المعان عليه من القربات. والإعانة على معرفة الله ومعرفة ذاته وصفاته أفضل الإعانات.

151- وكذلك الإعانة على معرفة شرعه، وكذلك المعونة بالفتاوى والتعليم والتفهيم، والإعانة على الفرائض أفضل من الإعانة على النوافل، وإذا كانت الصلاة أفضل القربات البدنيات كان الإعانة عليها من أفضل الإعانات فإذا أعان المصلي بماء الطهارة أو ستر العورة أو دله على القبلة، كان مأجورا على ذلك كله.

153- فصل في تفاوت فضل الإسرار والإعلان بالطاعات .

إن قيل: هل الإخفاء أفضل من الإعلان لما فيه من اجتناب الرياء أم لا ؟

فالجواب: إن الطاعات ثلاثة أضرب:

أحدها ما شرع مجهورا به كالأذان والإقامة والتكبير، والجهر بالقراءة في الصلاة، والخطب الشرعية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الجمعة والجماعات والأعياد، والجهاد، وعيادة المرضى، وتشييع الأموات، فهذا لا يمكن إخفاؤه.

فإن خاف فاعله الرياء جاهد نفسه في دفعه إلى أن تحضره نية إخلاصه، فيأتي به مخلصا كما شرع، فيحصل على أجر ذلك الفعل وعلى أجر المجاهد، لما فيه من المصلحة المتعدية.

الثاني: ما يكون إسراره خيرا من إعلانه كإسرار القراءة في الصلاة. وإسرار أذكارها، فهذا إسراره خير من إعلانه.

الثالث: ما يخفى تارة ويظهر أخرى كالصدقات، فإن خاف على نفسه الرياء أو عرف ذلك من عادته، كان الإخفاء أفضل من الإبداء، لقوله تعالى: { وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } [البقرة: 271]  .

ومن أمن الرياء فله حالان:

إحداهما ألا يكون ممن يقتدى به - فإخفاؤها أفضل، إذ لا يأمن من الرياء عند الإظهار .

وإن كان ممن يقتدى به كان الإبداء أولى لما فيه من سد خلة الفقراء مع مصلحة الاقتداء، فيكون قد نفع الفقراء بصدقته وبتسببه إلى تصدق الأغنياء عليهم وقد نفع الأغنياء بتسببه إلى اقتدائهم به في نفع الفقراء.

169- مسألة :

المسافر إذا عرف أنه يجد الماء في آخر الوقت فتأخير الصلاة أفضل من المبادرة إليها بالتيمم، وإنما قدمنا التأخير لأنه راجع إلى رعاية الشروط وما رجع إلى رعاية الشروط والأركان أولى مما رجع إلى السنن والآداب .

198- قاعدة في بيان متعلقات الأحكام .

للأحكام تعلق بالقلوب والأبدان والجوارح والحواس، والأموال، والأماكن والأزمان.

والطاعات كلها بدنية، وإنما قسمت إلى البدنية والمالية لتعلق بعضها بالأموال، والمتعلق بالمالي تارة يكون بالأقوال كالأوقاف والوصايا .

وتارة يكون بالأفعال كإقباض الفقراء الزكاة والكفارات .

وتارة يكون بالإسقاط كالإعتاق في الكفارات .

247- فإن قيل لم يجوز للرجال الطلاق مع ما فيه من كسر النساء وأذيتهن؟

فالجواب : لأن الرجل قد يكره المرأة ويسوءها لسوء أخلاقها أو لدمامة خلقها أو لسبب من الأسباب، فلو ألزم بإمساكها فيما بقي من عمره بحيث لا يقدر على دفع ذلك الضرر لعظم الإضرار بالرجال.

فإن قيل: فهّلا شرع الطلاق مرة واحدة كي لا يتكرر على النساء كسر الطلاق مع ما فيه من شدة البلاء وشماتة الأعداء؟

قلنا: لو جوز الشرع الطلاق من غير حصر لعظم الإضرار بالنساء، ولو قصر على مرة واحدة لتضرر الرجال .

فإن الندم يلحق المطلق بعد انقضاء العدة في كثير من الأحوال فقصر الطلاق على الثلاث لأن الثلاث قد عرفت في مواطن الشريعة كإحداد النساء على الموتى والتهاجر بين أهل الإسلام.

251- عبادات تقبل التداخل .

أحدها : العمرة تدخل في الحج.

المثال الثاني: في الوضوء إذا تعدد أسبابه أو تكرر السبب الواحد.

المثال الثالث: الغسل إذا تعددت أسبابه أو تكرر السبب الواحد.

المثال الرابع: سجود السهو يتداخل مع تعدد أسبابه، ولا تداخل في جزاء الصيد لأنه غرامة متلفة.

253- والمختار أن لا تداخل في الكفارات لأن التداخل على خلاف الأصل، والأصل تعدد الأحكام بتعدد الأسباب .

الجزء 2

5- والأصل أن تزول الأحكام بزوال عللها فإذا تنجس الماء القليل ثم بلغ قلتين زالت نجاسته؛ لزوال علتها، وهي القلة، ولو تغير الكثير ثم أزيل تغيره طهر؛ لزوال علة نجاسته، وهي التغير، والإغماء والنوم والجنون أسباب لزوال التكاليف ونفوذ التصرف، فإذا زالت حصل التكليف، ونفذ التصرف .

8- فصل في بيان تخفيفات الشرع .

هنا أنواع: منها تخفيف الإسقاط كإسقاط الجمعات والصوم والحج والعمرة بأعذار معروفة .

ومنها تخفيف التنقيص كقصر الصلاة .

وتنقيص ما عجز عنه المريض من أفعال الصلوات كتنقيص الركوع والسجود وغيرهما إلى القدر الميسور من ذلك.

ومنها تخفيف الأبدال كإبدال الوضوء والغسل بالتيمم، وإبدال القيام في الصلاة بالقعود، والقعود بالاضطجاع، والاضطجاع بالإيماء، وإبدال العتق بالصوم، وكإبدال بعض واجبات الحج والعمرة بالكفارات عند قيام الأعذار .

ومنها تخفيف التقديم كتقديم العصر إلى الظهر، والعشاء إلى المغرب في السفر والمطر، وكتقديم الزكاة على حولها والكفارة على حنثها.

ومنها تخفيف التأخير كتأخير الظهر إلى العصر، والمغرب إلى العشاء ورمضان إلى ما بعده.

ومنها تخفيف الترخيص، كصلاة المتيمم مع الحدث، وصلاة المستجمر مع فضلة النجو، وكأكل النجاسات للمداواة، وشرب الخمر للغصة، والتلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه، ويعبر عن هذا بالإطلاق مع قيام المانع، أو بالإباحة مع قيام الحاظر.

20- مسألة : إذا اختلط قتلى المسلمين بقتلى الكفار فإنا نغسل الجميع ونكفنهم وندفنهم، توسلا إلى إقامة حقوق المسلمين من الغسل والدفن والتكفين.

26- مسألة : إذا جاء النهى عن الشيء لفوات فضيلة في العبادة فلا يقتضي الفساد كالنهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين، فإنه ينهى عن ذلك؛ لما فيه من تشويش الخشوع، ولو ترك الخشوع عمدا لصحت الصلاة.

وأما نهي الحاكم عن الحكم في حال الغضب الشديد فاحتياط للحكم، فإذا وقع الحكم بشرائطه وأركانه صح لحصول مقاصده.

72- اعلم أن من أنعم الله عليه وأحسن إليه وفقه لطاعته ونيل مثوبته، ومن خذله أبعده بمعصيته وعقوبته، فمصالح الآخرة الحصول على الثواب، والنجاة من العقاب .

ومفاسدها الحصول على العقاب وفوات الثواب، ويعبر عن ذلك كله بالمصالح الآجلة .

والمقصود من العبادات كلها إجلال الإله وتعظيمه ومهابته والتوكل عليه والتفويض إليه. وكفى بمعرفته ومعرفة صفاته شرفا، والآخرة وهي أفضل من كل ثواب يقع عليها ما عدا النظر إلى وجهه الكريم.

84- أنواع القبض في البيع والشراء :

 أحدها: المناولة فيما جرت العادة بمناولته كالحلي والجواهر.

النوع الثاني: ما لا يمكن نقله كالعقار، وإقباضه بتمكين القابض من المقبض مع إزالة يد المقبض وتمكن القابض من القبض.

الثالث: ما جرت العادة بنقله ، وهو ضربان: أحدهما ما يستحق كيله أو وزنه، فقبضه بكيل مكيله ووزن موزونه: ثم نقله بعد تقديره.

الضرب الثاني: ما جرت العادة بنقله من غير كيل ولا وزن كالمتاع والنحاس والرصاص ونحوها فقبضه بنقله إلى مكان لا يختص ببائعه، ولا تكفي فيه التخلية على الأصح.

النوع الرابع: الثمار على الأشجار إذا أينعت وبدا صلاحها والأصح أن تخليتها قبض لها.

88- مسائل في التأديب والزجر .

 وهي أضرب أحدها: ما قدره الشرع كحد الزنا والقذف فلا يزاد عليه ولا ينقص منه.

الثاني: ما لا تقدير فيه كالتعزيرات.

الثالث: التأديب كتأديب الآباء والأمهات للبنين والبنات.

الرابع: تأديب الإماء والعبيد وهو مفوض إلى السادات في الحدود والتعزيرات.

الخامس: تأديب الدواب بأنواع الرياضات.

ومهما حصل التأديب بالأخف من الأفعال والأقوال والحبس ، لم يعدل إلى الأغلظ إذ هو مفسدة لا فائدة فيه؛ لحصول الغرض بما دونه.

163- الميتات كلها نجسة لأن الميت مظنة العيافة والاستقذار، واستثني من ذلك الآدمي لكرامته والسمك والجراد، وما يستحيل من الطعام كدود الخل والتفاح لمسيس الحاجة إلى ذلك.

163- الجمادات كلها طاهرة لأن أوصافها مستطابة غير مستقذرة واستثني منها الخمر عند جمهور العلماء تغليظا لأمرها، والحيوانات كلها طاهرة واستثني منها الكلب والخنزير وفروعهما عند الشافعي تغليظا لأمرهما وتنفيرا من مخالطتهما، لأن الكلب يروع الضيف وابن السبيل .

والخنزير أسوأ حالا منه لوجوب قتله بكل حال .

ولا يجوز اقتناء الكلاب إلا لحاجة ماسة كحفظ الزرع والمواشي واكتساب الصيود.

168- مسألة : إذا قيل قد صلى الصحابة على سيد الأولين والآخرين مع أن الله أخبره أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟

قلنا: كما أمروا بالصلاة عليه قبل موته أمروا بمثل ذلك بعد موته.

فإن قيل: الدعاء شفاعة للمدعو له فكيف يشفع ؟

قلنا : ليست الصلاة عليه شفاعة له، ولكن قد أمرنا بأن نكافئ من أسدى إلينا المعروف وإن عجزنا عن مكافأته أن ندعو له بدلا من مكافأته، ولا معروف أكمل مما أسداه إلينا - صلى الله عليه وسلم - فنحن ندعو الله عز وجل أن يكافئه عنا لعجزنا عن مكافأته.

173- ترتفع أحكام العبادات بموت العابد إلا في النسكين فإن المُحِرم إذا مات لم يجز تخمير رأسه ولا ستر بدنه بالمخيط ولا تطييبه وليس هذا استثناء على الحقيقة، فإن تكليفه قد انقطع بموته، وإنما ذلك تكليف لمن يتولاه من الأحياء.

176- إذا ظفر الإنسان بجنس حقه بمال مَنْ ظلمه فإنه يستقل بأخذه، فإن الشارع أقامه مقام القابض والمقبض لمسيس الحاجة، ولو كان بغير جنس حقه جاز له أخذه وبيعه ثم استيفاء حقه من ثمنه .

189- أجمع آية في القرآن للحث على المصالح كلها والزجر عن المفاسد بأسرها قوله تعالى { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} [النحل: 90] .

فإن الألف واللام في العدل والإحسان للعموم والاستغراق، فلا يبقى من دق العدل وجله شيء إلا اندرج في قوله { إن الله يأمر بالعدل } [النحل: 90] ولا يبقى من دق الإحسان وجله شيء إلا اندرج في أمره بالإحسان .

والعدل هو التسوية والإنصاف .

والإحسان: إما جلب مصلحة أو دفع مفسدة وكذلك الألف واللام في الفحشاء والمنكر والبغي عامة مستغرقة لأنواع الفواحش ولما يذكر من الأقوال والأعمال.

وأفرد البغي - وهو ظلم الناس - بالذكر مع اندراجه في الفحشاء والمنكر للاهتمام به، فإن العرب إذا اهتموا أتوا بمسميات العام. ولهذا أفرد البغي وهو الظلم مع اندراجه في الفحشاء والمنكر للاهتمام به، كما أفرد إيتاء ذي القربى بالذكر مع اندراجه بالعدل والإحسان.

212- في المزاح .

يجوز المزاح لما فيه من الاسترواح إما للمازح أو للممزوح معه وإما لهما.

وأما المزاح المؤذي المغير للقلوب الموجس للنفوس فإنه لا ينفك عن تحريم أو كراهة، وإنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمزح جبرا للممزوح معه وإيناسا وبسطا، كقوله لأخي أنس بن مالك: « يا أبا عمير ما فعل النغير » .

وشرط المزاح المباح أن يكون بالصدق دون الكذب.

وأما ما يفعله الناس من أخذ المتاع على سبيل المزاح فهذا محظور لما فيه من ترويع صاحب المتاع وقد جاء في الحديث: « لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لاعبا جادا » جعله لاعبا من جهة أنه أخذه بنية رده، جادا من جهة أنه روع أخاه المسلم بفقد متاعه، وعلى الجملة فلا ينبغي لعاقل أن يخطر بقلبه ولا يجري على جوارحه إلا ما يوجب صلاحا أو يدرأ فسادا، فإن سنح له غير ذلك فليدرأ ما استطاع.

212- الطريق في إصلاح القلوب التي تصلح الأجساد بصلاحها وتفسد بفسادها تطهيرها من كل ما يباعد عن الله وتزيينها بكل ما يقرب إليه ويزلفه لديه من الأحوال والأقوال والأعمال وحسن الآمال ولزوم الإقبال عليه والإصغاء إليه والمثول بين يديه في كل وقت من الأوقات وحال من الأحوال على حسب الإمكان من غير أداء إلى السآمة والملال .

217- الخوف على أقسام أحدها: خوف العقاب، والثاني خوف فوات الثواب، والثالث خوف فوات الحظ من الأنس والقرب بالملك الوهاب، وهذا من أفضل الخائفين .

220- الصوفية .

وأما الرقص والتصفيق فخفة ورعونة مشبهة لرعونة الإناث لا يفعلها إلا راعن أو متصنع كذاب وكيف يتأتى الرقص المتزن بأوزان الغناء ممن طاش لبه وذهب قلبه .

222- وأما التوبة فأقسام:

أحدها: التوبة من ترك الواجبات وفعل المحرمات.

القسم الثاني: التوبة من ارتكاب المكروهات.

القسم الثالث: التوبة من الشبهات.

القسم الرابع: التوبة من ملابسة المباحات إلا ما تدعو إليه الضرورات أو تمس إليه الحاجات.

القسم الخامس: التوبة من رؤية التوبة ورؤية جميع ما يتقرب به إلى ذي الجلال ومعنى ذلك ترك الاعتماد والاستناد إلى شيء من المعارف والأحوال والأقوال والأعمال، إذ لا ينجي شيء من ذلك صاحبه؛ فإنه لا اعتماد في النجاة إلا على ذي الجلال، وقد قال - عليه السلام -: « لن ينجي أحدكم عمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل » .

223- وأما الزهد فأقسام:

أحدها: الزهد في الحرام.

القسم الثاني: الزهد في المكروهات.

القسم الثالث: الزهد في الشبهات.

القسم الرابع: الزهد في المباحات إلا ما تدعو إليه الضرورات أو تمس إليه الحاجات.

القسم الخامس: الزهد في رؤية الزهد والاعتماد عليه.

والفرق بين التوبة والزهد وإن كانا من أعمال القلوب: أن التوبة ذات أركان ثلاثة:

أحدها: الندم على ما فات من الطاعات.

والركن الثاني: العزم على أن لا يعود إلى تلك المعصية.

الركن الثالث: الإقلاع عن المعصية المتوب عنها في الحال.

ويتحقق الزهد بقطع تعلق القلب عما ذكرناه من المحرمات والمكروهات والمباحات، وليس الزهد عبارة عن خلو اليد من المال، وإنما الزهد خلو القلب عن التعلق به، فليس الغنى بمناف للزهد.

225- ومن أعمال القلوب احتقار ما حقّره الله من الدنيا وأسبابها، وتعظيم ما عظمه الله من المسكنة والخضوع والخشوع والغربة وعدم الجاه والمال ، لأن الغنى بالمعارف والأحوال أفضل وألذ من الغنى بالجاه والأموال، والبذل لله عز وجل، والفقر غنى، والغربة لأجله استيطان.

226- والمعارف والأحوال غير الكرامات وخرق العادات، لتعلق المعارف بالله وتعلق الكرامات بخرق العادات في بعض المخلوقات.

 

تمت كتابة الفوائد بحمد الله الساعة العاشرة صباح الثلاثاء 27- 11- 1440

 

 

عدد الزوار 1237
 
روابط ذات صلة