تقديس أو تهميش الرموز
  الفرح بالله
  الفوائد العشرة (4)
  الداعية والتجديد
  
   
 
 
الرئيسة نتاج المشرف العام مقالات عامة التربية والتزكيةأنا وأنت لسنا على صواب
 أنا وأنت لسنا على صواب
1 جمادى الأولى 1439هـ

 

من الحِكم الجميلة التي وقفتُ عليها " إن مِن أكبر عيوبك أن تعتقد أنك على صواب دائماً ".

بكل صراحة نحن نرفض كثيراً من النقد والتصحيح الذي يواجهنا ، ونشعر بأننا على صواب دائماً في كل شيء ، وفي كل يوم ، وفي كل قرار ، وفي كل تصرف .

نحن معصومون من الزلل ، هكذا يشعرُ بعضنا – حتى لو أزعجنا وقال : من عنده نصيحة فليخبرنا - .

في ذلك البيت يرى الأب أن كل أقواله وأفعاله على صواب وأن كل نقد يأتيه من زوجته أو ولده فإنهم على خطأ .

تلك الزوجة لا تخطئ أبداً وجميع تصرفاتها صواب 100% وحينما يعاتبها الزوج على أي تقصير ، فهو على خطأ وهو ظالم ولايُقِّدر السنين التي عاشها معها .

ولعل رفضها لنصائح زوجها هو السبب في تماديها في عيوبها وبالتالي هي الآن " مطلقة " ولو أنها قبلت النصح وتلقت النقد بشكل إيجابي لبقيت " زوجة " .

ذلك المدير يجلسُ على كرسي العصمة وكل خطاباتِه وقراراتِه واجتماعاتِه صواب ، وكل من يبدي رأياً آخر فهو جاهل بفنون الإدارة ولا يعرفُ المصالح العامة لتلك الجهة أو لتلك الشركة أو المؤسسة .

ذلك الشيخ يعيش في ثياب الصواب ولايخطئ أبداً لا في درس ولافي فتوى ولا في برنامج ، وكل رأي يأتيه من طالبٍ أو رجلٍ عامي فإنه جاهل ولايعرف أصول العلم ولايُقِّدر المصالح الدعوية والعلمية للمجتمع ، وربما يصفه بأنه ليبرالي .

لماذا نخافُ من النقد ؟

لماذا نشعر أن كل نظرة ناصح هي نظرة حسد ؟

ياترى ماذا لو أخبرك رجل أن في ثوبك شيء من الأذى ، هل تغضب ؟

بالطبع لا ، بل ستقوم بشكره على هذا التنبيه .

ماذا لو أخبرك بخطأ في رأيٍ طرحته أو تغريدةٍ أو مقطعٍ صوتي أو مرأي ، هل تشكره ؟

إن الآخرين لهم عيون يبصرون من خلالها أشياء ربما لانراها نحن .

إن وجهات النظر واسعة ولها زوايا متباينة ، فافسح المجال لغيرك أن ينظر لها من زاويته الخاصة .

يجب أن نشجع الآخرين على إبداء الرأي بكل أدب وعلم ، ولو اختلف معنا في طريقة التفكير ، فنحن لانملك السلطة على تفكيره .

إن كبار الشركات العالمية ( مايكروسفت ، جوجل ، آبل ، سامسونج ) وغيرها لم تكن تلك الشركات تنجح وتبدع في كسب السوق العالمي إلا بعد أن فتحت لنفسها فكرة قبول الرأي والنقد من موظف أو متابع أو متسوق ، وبإمكانك أن تقرأ كلمات مدراء تلك الشركات لتعرف هذا الفن الإداري .

ومضة :

من جميل القصص ، ما يُحكى أن رجلاً قال للخليفة عمر رضي الله عنه " اتق الله " فكأن الناس غضبوا لهذا الرجل الناصح .

فالتفت إليهم عمر – الذي تربّى في مدرسة الرسول عليه الصلاة والسلام – وقال : لاخير فيكم إن لم تقولوها ولاخير فينا إن لم نقبلها .

ياترى متى نخلع رداء الكِبر والعظمة الذي يلتفُّ حولنا ؟

متى نعيشُ مع أهلنا ومع زملاء العمل ومع جماعة المسجد ونحن نملك قلباً واسعاً لسماع الرأي الآخر ؟

يا أخي ، ليس بالضرورة أن يكون رأيك على صواب ، فمن أنت حتى تكون على صواب في كل شيء ؟

نعم ربما تكونُ قريباً من الصواب ولديك خِبرات وتجارِب تؤهلك لأن تكون قليلَ الخطأ ولكنها لن تجعلك معصوماً .

إن من سمات الكافرين التي حكاها الله عن قوم صالح ( ولكن لاتحبون الناصحين ) .

إن من أصول الأحاديث النبوية وهي من أحاديث الأربعين النووية التي تلقاها الناس بالقبول ( الدين النصيحة ) رواه مسلم .

إن مما بايع عليه جرير رضي الله عنه رسولَنا صلى الله عليه وسلم ( والنصح لكل مسلم ) رواه البخاري .

إن الناظر في أخلاق الصحابة والعلماء على مر التاريخ يجد أنهم كانوا يتصفون بقبول النقد ويستمعون للرأي الآخر وينتفعون به ولايجدون أيَّ حرج في التصحيح حينما يكون الرأي المطروح هو الصواب .

إننا بشر ، والخطأ في فطرتنا ، خطأ مع الله ومع الأقارب ومع الزملاء .

خطأ في العبادة وفي الدعوة وفي العلم وفي كل شؤون الحياة .

لقد علمتني الحياة أن أنصتَ للناقدِ أكثرَ من المادِح ، لأن النقدَ وسيلةٌ لتصحيحِ المسار ، وهذا الذي أريد .

 

 

عدد الزوار 5614
 
روابط ذات صلة