الأثنين  
1441/04/12
هـ  
 الموافق:    2019/12/09م    
 
ركن الأسرة
   
قصص وعبر
   
رحلتي إلى النقاب رمز الحرية
رحلتي إلى النقاب.. رمز الحرية

أنا امرأة أمريكية، وُلِدتُ بـ "هارتلاند" في أمريكا، ترعرعْتُ كأيِّ فتاة أمريكية أركِّز كلَّ انتباهي على تلك الحياة البرَّاقة في المدينة، وانتقلت مؤخَّرًا إلى ولاية "فلوريدا"، في الساحل الجنوبي لميامي، والتي تعدُّ بقْعة ساخنة للباحثين عن تلك الحياة.

ومن الطبيعي أنِّي فعلتُ ما تفعله معظم الفتيات الأمريكيَّات؛ ركَّزتُ على مظهري وجاذبيتي، وأصبحَتْ قيمةُ ذاتي معتمِدة على مَدى الانتباه الذي أحصُل عليه من الآخَرين، كنتُ أتقدَّم تدريجيًّا في ممارستي لعقيدتي، وأصبحتُ مدرِّبة شخصيَّة، وحصلت على سكَن راقٍ على شاطئ البحر، وأصبحت من المنتظِمِين في الذهاب إلى الشاطئ للعَرْض، وتمكَّنت من الحصول على تلك الحياة البراقة المليئة بالتَّرَف.

ومرَّت السنون فقط لأدْرِك أن إحساسي بتحقيق ذاتي وإحساسي بالسعادة ينخفضان كلَّما ازداد "إغرائي كأنثى"، كنت أمةً (للموضة)، كنتُ رهينة لمظهري الخارجي.

بينما ازدادَتِ الفجوة تدريجيًّا بين تحقيقي لِذَاتي ونمط حياتي، بدأْتُ في الهروب من المشروبات الكحوليَّة والحفلات، ولجأتُ إلى ممارسة التأمُّل، والعمل كناشطة سياسيَّة، واعتناق أديان بديلة، وما ازدادَت ِالفجوة إلاَّ اتِّساعًا حتىَّ أصبحتُ كالوادي السَّحيق، وأدركتُ مؤخَّرًا أنَّ كل ما أفعله كان مسكِّنًا لآلامي، وليس دواء مؤثِّرًا.

وفي الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001، وبينما أشاهد وابِلَ الاتِّهامات على الإسلام والثقافة الإسلامية وقِيَمها، وبينما أشاهد الإعلان غير المشهور لـ "نيو كروسيد"، بدأْتُ ألاحظ شيئًا يسمَّى الإسلام، إلى هذا الوقت لم يكن يرتبط بمخيلتي حينما يُذكَر الإسلام إلاَّ نساءٌ مغطَّاة "بخيام"، وأزواجٌ يَضربون زوجاتهم، والحريم، وعالَمٌ من الإرهاب.

وكناشطة في تحرير المرأة تَسْعى إلى تحقيق عالَم أفضل للجميع، تَقابل طريقي مع طريق ناشط آخَر، يَسبقني في تأييدِ وتعزيز أسباب الإصلاح والعدالة للجميع، وبدأْتُ الاشتراك مع معلِّمي الجديد في حمَلاته، وكانت في ذاك الوقت تخصُّ الإصلاح الانتخابي والحقوق المدنية.

وبعدَها أصبحَتْ فعاليتي مختلفة، فبدلاً من تأييدي ودفاعي عن العدالة بصورة انتقائية لبعض الناس، تعلَّمتُ أنَّ المثُل من العدالة والحرِّية والاحترام مقدَّر لها أن تكون، وهي بالفعل ضرورية للعالَم كلِّه، وأنَّ الخير العامَّ والمصلحة الخاصَّة لا يتعارضان.

ولأوَّل مرَّة أعرف ما معنى أنَّ الناس كلَّهم سواءٌ، والأكثر أهمِّيةً من ذلك أنَّني تعلَّمتُ أنَّ كل ما نحتاج إليه هو الإيمان؛ لكي نرى العالم ككِيان واحد، ونرى الوَحْدة في الخلْق.

وفي يوم من الأيام صادَفَني الكتاب الموصوف دائمًا بصورة سلبيَّة عندَنا في الغَرْب، وهو القرآن الكريم، كنتُ في البداية منجَذِبة إلى شكْلِه.

ثم بعد قليل أصبحتُ أسيرةً لطريقته في النَّظَر إلى الوجود والحياة والخَلْق، والعلاقة بين الخالق والخَلْق، وجدتُ أنَّ القرآن هو حوارٌ مبْصِر، موجَّه إلى القلب والرُّوح، بدون الحاجة إلى مفسِّر أو قسٍّ.

وارتطمتُ بلحظة من الحقيقة، وأدركتُ أن نشاطي وفعاليتي الجديدة في تحقيق ذاتي ما هي إلاَّ مجرَّدُ اعتناقي لدِين يُسمَّى الإسلام، حيث أستطيع العيش بسَلام كمسْلِمة مؤثِّرة.

قمتُ بشراء ثوب طويل جميل، وغطاء رأس يشْبِه ما ترتديه الفتيات المسْلِمات، ومشيتُ في نفس الشوارع والأحياء التي كنتُ فيها من أيَّام مرتَدِية الملابس القصيرة أو ملابسَ العمل الغربيَّة الأنيقة، على الرغم من أنَّ الناس والوجوه والمحلاَّت لم تتغيَّر، ولكنْ هناك شيءٌ واحد مختلِف بطريقة ملحوظة، أحسستُ أنني تغيَّرت، وأنِّي أشعر في داخلي بإحساس السَّلام؛ لكوني هذه المرأةَ الجديدة، شَعرتُ بأن السَّلاسل التي كانت تقيِّدني قد انكسَرَتْ، وأنِّي أخيرًا حُرَّة طليقة.

كنت سعيدة بالنَّظرات الجديدة من الناس، والتي كانت نظراتِ تعجُّب ودهشة، وليست نظراتِ الصيَّاد الذي يراقب فريسته، فجأة أحسست بأن وزْنًا ثقيلاً ارتفع عن أكتافي، لم أعُدْ أستهلك كلَّ وقتي في التسوُّق وأدوات الزِّينة، وتصفيف شَعْري، والتدريبات البدَنية، أخيرًا أصبحتُ حرة.

بين كل الأماكن، وجدت إسلامي في قلبِ ما يسمِّيه البعضُ "أكثر الأماكن امتلاءً بالفضائح على وجه الأرض"، وذلك جعَلَه عزيزًا وخاصًّا أكثر.

بينما أنا سعيدة بحجابي أثَار النِّقابُ فُضُولي عندما رأيتُ عددًا متزايدًا من النِّساء المسْلِمات يرتدينَه، سألتُ زوجي المسلم، الذي تزوَّجتُه بعد أن اعتنقتُ الإسلام، إذا كان من المفترض أن أرتَدِي النِّقاب أم أستقِرّ على الحجاب الذي أرتديه، فنصحَني زوجي ببساطة أنَّه يؤْمِن بأن الحجاب فرْضٌ في الإسلام، وأنَّ النقاب ليس فرضًا، كان وقْتَها حجابي عبارةً عن غِطاء للشَّعر، ولا يغطِّي وجهي، وعباءةٍ طويلة واسعة سوداء، تغطِّي جسدي من الرَّقبة إلى قدمي.

ومرَّت سنَة ونِصْف، وأخبرْتُ زوجي أنِّي أُريد أن أرتدي النِّقاب، وكان سببِي هذه المرَّة هو أنني أشعر بأنه إرضاءٌ لله الخالق، وسيَزِيد إحساسي بالسَّلام؛ لكوني أكثرَ تواضُعًا، فقام زوجي بتدعيم قراري، وأخَذَني معه لِشَراء إسدال، وهو رِداء أسود واسع، يغطِّي من الرَّأس حتى القَدَم، واشتَرَينا أيضًا النِّقاب، وهو يغطِّي الرأس والوجه ما عدا العينين.

بعد ارتدائي للنِّقاب بوقت قصير، بدأَتْ تنتشر الأخبار عن سياسيِّين وفاتيكان وقساوسة ودُعاة التَّحرير ومُدَّعِي الدِّفاع عن حقوق الإنسان والحرِّية، يقومون بإدانة الحِجَاب أحيانًا، والنِّقاب أحيانًا أخرى بأنَّه اضْطِهاد للمرأة، وعقَبةٌ في وجه التَّكامُل الاجتماعي، ومؤخَّرًا، وكما أَطلَق عليه أحد المسؤولين المصريِّين "رمز التخَلُّف".

وجدتُ أنه من النِّفاق الصَّارخ عندما تسارِع الحكومات والمجموعات المدْعُوَّة بـ"مجموعات حقوق الإنسان"، في الدِّفاع عن حقوق المرأة، عندما تَفْرِض بعض الحكومات زيًّا معيَّنًا على المرأة، بينما هؤلاء المقاتِلون من أجل الحرِّية يُولُّون أدبارَهم عندما تُسلَب المرأة حقوقَها في العمل والتعليم، عندما تَختار أن تمارس حقَّها في ارتداء النِّقاب أو الحجاب، فاليومَ عدد النساء المنتَقِبات اللاَّتي يُمنَعن من العمل والتعليم في تَزايُد مستمرٍّ، ليس فقط في ظلِّ الأنظمة التي تميل إلى الدِّكتاتورية، مثل تونس والمغرب ومِصر، وإنما أيضًا في الدُّول الغربية الدِّيموقراطية، مثل فرنسا وهولندا وبريطانيا.

إلى اليوم أظَلُّ مدافِعةً عن حقوق المرأة، ولكن مدافعةَ مسْلِمة تنادي النساء المسلمات بأن يأخذْنَ على عاتقهن مسؤولياتهنَّ في تقديم كلِّ الدَّعم لأزواجهن، وأن يكُنَّ مسلمات صالحات، وأن يُربِّين أولادهن؛ ليصبحوا المنارَ للبشرية كلِّها، يأمرون بالمعروف وينْهَون عن المنكر، ولِيُدافعوا عن حقِّنا في ارتداء النقاب أو الحجاب؛ لِنُرضِي خالقَنا بأيِّ طريقة نختار، وأيضًا لينقلوا تجربتنا مع النقاب أو الحجاب إلى الأجيال القادمة من النِّساء، واللاَّتي من الممكن ألاَّ يجدْنَ الفرصة ليفهمْنَ ماذا يعني لهن ارتداءُ النِّقاب أو الحجاب؟ ولماذا ارتديناهما بحب؟.

معظم النِّساء اللاَّتي أعرفهنَّ يرتدِين النِّقاب، هنَّ غربيَّات معتَنِقات للإسلام، وبعضٌ منهنَّ غير متزوِّجات، والبعض ارتدَيْنَ النقاب بدون أيِّ تدعيم من عائلاتهن، ولا البيئة المحيطة بهن، ما هو مشترك بيننا هو أنَّ قرار ارتداء النِّقاب هو اختيارنا الشَّخصي، ولا تُوجد واحدة بيننا راغبة في التخلِّي عن هذا القرار أو الاستسلام.

فالنِّساء - شِئْن أم أبين - مقذوفاتٌ بوابل من (موضات) الملابس في كلِّ وسائل الإعلام في جميع أنحاء العالَم، والتي تدعوهم إلى ارتداء "القليل، إلى لا شيء"، وكامرأة كانت غيرَ مسلمة فأنا أُصرُّ على حقِّ المرأة في المعرفة عن الحجاب وفضائله، وما يَجْلبه من سَلاَم وسعادة لحياة المرأة كما حدث معي.

أمْسِ كان اللبس القصير هو رمْزَ تحرُّري، ولكنَّه في الحقيقة كان تحرُّري من روحانيَّتي وقِيمتي الحقيقية كإنسانة محترمة.

لم أكن لأُصبح أكثر سعادة بتَرْكي لذلك اللبس في "ساوث بيتش"، المليئة بالحياة البرَّاقة؛ للعيش في سلام مع خالقي، والتمتُّع بالحياة كشخصية شريفة بين التَّابعين للإسلام؛ لذلك اخترتُ ارتداء النقاب، وسأموت وأنا أدافع عن حقِّي في ارتدائه، والذي هو ليس بحقٍّ غريب، اليوم، النِّقاب هو الرمز الجديد لتحرير المرأة.

ورسالة منِّي إلى النساء اللاتي يستسلمْنَ لتطبيع الحجاب الإسلامي في صورة سيِّئة، أقول لهن: "أنتنَّ لا تعلمْنَ ما تفتقدْنَه".

كانت "سارة بوكر" تَعمل كممثِّلة و(موديل) ومدرِّبة لياقة بدنية وناشطة سياسيَّة، أمَّا الآن فهي مُدِيرة الاتِّصالات في مجموعة تُسمَّى "المسيرة إلى العدالة"، ومشارِكة في تأسيس "الرَّابطة العالمية للأخَوات"، ومنتِجة لمعْرِض يسمَّى "الصَّدمة والرَّهبة".

 
1712
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر