الأثنين  
1441/04/12
هـ  
 الموافق:    2019/12/09م    
 
ركن الأسرة
   
همسات وإشارات
   
رسالة إلى فتاة
رسالة إلى فتاة

وصلني على بريدي رسالة لفتاة لا تزال مسرفة على نفسها بالذنوب, قد أهلكتها المعاصي فزاد حالها سوءاً , وكانت مستهينة بما هي , قائمة على ما يسخط الله تعالى , فبعثت لها بهذه الرسالة رجاء أن تنتفع بها .

ولأنها مبهمة , وعلى شاكلتها بعض الفتيات , رغبت بنشرها ليعم نفعها , وتكون نموذجاً لمن أراد أن ينصح من على شاكلتها . أسأل الله أن ينفع بها , ويجعلها خالصة لوجهه .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فأكتب لك أختي الكريمة بعدما قرأت رسالتك , وتألمت للحالة التي وصلتي لها .

أكتب لك بلسان المشفق عليك , المحب لك كل خير، أكتب لك وأنا أنفض يدي للتو من غبار قبر , قبرنا صاحبه قبل قليل , وقفنا عنده قليلاً ثم تركناه وحيداً فريداً مرتهناً بعمله , أتدرين قبر من؟ إنه قبر أحد طلابي الذي كان عندي العام الماضي في الصف الثالث الثانوي " وأظنك تكبرين منه " ولكنّ الموت لم يمهله لصغر سنه . ولا أظنه سيمهلك أنت .

أكتب لك وقد قبرنا قبله بثلاثة أيام شاب في ريعان شبابه , أتدرين كم بين موته وزواجه ؟ أنها ثلاثون يوما فقط .

جاء ليشتري أغراض بيت الزوجية , ويفرح مع زوجته في عش طالما رسم له في ذهنه أمنيات , وخطط لمستقبله مع زوجه وولده تخطيطات .

فيا الله ما أقرب الموت منا ! وما أعظم غفلتنا عنه ! أخيتي : لئن كنت تعيشين سكرة الهوى , وظلام المعصية , وران على قلبك أثر الذنوب , وغفلت كما غفل غيرك عن ربه وعن مصيره المحتوم , فلعل رسالتي هذه أن توقظ بقية الخير فيك التي أعلم بثباتها ورسوخها ولكنها الغفلة التي سرعان ما تنقشع بالتذكرة .

وأعلم بطهارة نفسك التي تحب الله ورسوله وجنته , وتخاف من ناره , ولكنها سكرة الهوى التي تعيشينها وتزول بالصدق مع النفس وتذكر الدار الآخرة .

أخيتي لئن كنت اغتررت بشبابك فهلا اعتبرت بهؤلاء الذين ماتوا بعمر الزهور بعضهم أصغر منك، ولئن اغتررت بجمالك , فهل تأمنين بقاء هذا الجمال ؟ إن لسعة نار واحدة , أو بخار حار قد تُذهب هذا الجمال , وتمحو تلك النضرة . فلا تأمنين مفاجأة الأيام .

أحذرك – أخيتي - نقمة الله وأنت مقيمةٌ على معصيته , فقد تجرأ قبلك خلقاً على ربهم , وتمردوا على شرعه , فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر .

أين من كانوا يُحيون الليالي الحمراء , تجمعهم الكأس والغانية , ويرأسهم إبليس بجنده , وكيف جاءهم الموت على حين غرة , فأصبحت قصصهم تُذكر ليُتعظ بها , فهل يسرك أن تكوني موعظة لغيرك ؟.

ولئن كنت ذكرت في رسالتك أحوال زميلاتك وأنهن واقعين فيما أنت واقعة فيه من المعاصي , فلا تغتري بهم وبكثرة سوادهم - فالهالكون وربي كثير - ولكل واحد صحيفة عمل , وله حساب على حده , وليس هذا عذراً لك بين يدي الله .

وبالمقابل انظري إلى من نجت من شهوات الدنيا , فكانت لها الحياة الطيبة والذكر الجميل بين الناس , وقد وعدها الله بعد مماتها بجنات النعيم .

اغمضي عينيك الآن عندي حرفي هذا.. وتخيلي السنين تمضي عليك , وتخيلي أنه قد فات منها عشر سنوات أو عشرين وقد بلغت الأربعين أو الخمسين فقول لي بربك كيف سيكون حالك عند هذا السن ؟ هل ستكونين مع زوج في سعادة وبين يديك أطفالك تسعدين فيهم , وتهنئين ببرهم ؟ هل ستحضين برجل يفخر بك ويعتز أنه ارتبط بمثلك ؟ هل سيكون تحت قدميك أبناء بررة يجهدون لأجل برك ؟ كيف بك لو علموا أن أمهم يوماً من الأيام كانت..؟.

أخيتي إن الله يمهل ولا يهمل , فلا تغتري بستره عليك لا تلجي يا أختاه إلى طريق الظلام فإنه نفق موحش , صار قبلك فيه أُناس وظنوا أن فيه السعادة والأنس , فوجدوه سراباً خادعاً , وذاقوا مرارة الجراءة على حدود الله , فعضوا أصابع الندم , وبكوا بدل الدمع دماً . تمنوا أن لو لم تلدهم أمهاتهم وقد وصلوا إلى ما وصلوا إليه , فأُعيذك بالله أن تصلي إلى ما وصلوا إليه .

أختاه إن باب التوبة مفتوح , والكريم يبسط يده بالليل لك إن أسأت بالنهار , ويبسط يده بالنهار لك إن أسأت بالليل , فلا تحرمي نفسك هذا العطاء .

وربي إنه ليفرح بك وبغيرك من التائبين فلا تيأسي ولا تقنطي من رحمته فلو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتي الكريم – غفر لك – ولو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استرحمتي الرحيم - صب عليك رحمته , وأفاض عليك من جوده - فهلمي إلى رحمته , وسارعي إلى بابه جوده المفتوح .

اللهم إن أمتك بنت عبدك قد أقبلت إليك , يارب فاقبل توبتها , وامح خطيئتها , وأبدل سيئاتها حسنات . اللهم آمين .

 
4089
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر