الأربعاء  
1441/06/25
هـ  
 الموافق:    2020/02/19م    
 
ركن الأسرة
   
همسات وإشارات
   
كيف تخشعين في الصلاة
كيف تخشعين في الصلاة

إن أول ما يبدأ به المصلي في صلاته بعد استقبال القبلة والدنو من السترة حتى لا يكون بينه وبينها سوى ثلاثة أذرع حال قيامه وممر شاة حال سجوده - أول ما يبدأ به تكبيرة الإحرام.

أما كيفية الخشوع بتكبيرة الإحرام فإن عليك أيتها المصلية أن ترفعي يديك حذو منكبيك أو حيال أذنيك متوجهة بباطن الكفين إلى القبلة ممدوة الأصابع ضامة لها - وتشعرين وأنت بهذا الحال بالاستسلام التام لرب العباد.

وتخيلي لو أحدًا أراد منك أن تذعني له وتستسملي، فأمرك برفع يديك ومدها، لارتعدت مفاصلك خوفًا من بطشه بك، وهو بشر مثلك، فكيف بمن بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه - سبحانه - وكيف بمن الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمنه، يأمرك بأن تستسلمي وتقفي بين يديه ذلاً وخضوعًا له رافعة يديك معلنة التسليم التام له، متخلية عن كل شيء في يديك تملكينه فالأمر أعظم من أن تستمسكي بشيء من أمور الدنيا فهذا وقوف بين يدي من بيده كل شيء.

كيف يمر عليك التكبير والحال هكذا بسهوله!! ويذهب معنى التكبير ومراده من نفسك وتبقى حركته وإشارة اليدين به، أو ليس الله بقادر على أن يأخذك بغتة أتأمنين ذلك؟ إذا تألق الخيال مثل هذه المعاني وأنت ترفعين يديك لتكبيرة الإحرام، فإن الخشوع سيمتلك قلبك والخضوع سيسيطر على جوارحك ولن تنفكي من أن تنطقي تكبيرة من فؤادك معلنة البراءة من كل شيء فالله عندك أكبر من كل شيء.

ولم يأمرك الله بالتكبير والاستسلام إلا ليعلم تسليمك وموافقتك على بيع الدنيا الزائلة بالآخرة الباقية، فله الحمد ما أعظمه وله الحمد ما أكرمه، وحري بنا أن نستسلم طائعين راغبين فرحين مغتبطين.

ثم يحلق العقل في ملكوت الله وبينما هو كذلك، إذ تنطق كلمة التسبيح والحمد لمن هذا شأنه، فتقولين: «سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك، وتعالى جدك ولا إله غيرك».

وأنت في قيامك هذا تقفين موقف الذليل الخاضع، تضعين يدك اليمنى على اليسرى على صدرك بكل استكانة لمن أوقفك هذا الموقف، وسيوقفك الموقف الرهيب يوم القيامة تنظرين موضع سجودك بكل إطراق وتفكر فيما ترددين من ألفاظ مقتدية بنبيك محمد الذي كان: «إذا صلى طأطأ رأسه ورمى ببصره نحو الأرض».

 تخشين أن ينصرف الله عنك وتستحضرين قوله : «فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يتلفت» . وقوله: « لا يزال الله مقبلاً على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه انصرف عنه» .

وتخيلي أنك ترددين هذه الكلمات بين يدي الله يوم القيامة واقفة بين يديه، والكل ينظر إليك؛ ليعلم أي منقلب تنقلبين وإلى أي دار تصيرين، وإذا بك تسبحين الله تنزيهًا له عن كل نقيصة، وتحمدينه على كل نعمة وأعظم نعمة هي نعمة الإيمان الذي أوقفك هذا الموقف بين يديه؛ لتنالي رضاه وتفوزي بجناته، ثم تقرين وتعترفين أن كل ما ذكر اسم الله عليه أو فيه تبارك اسمه، وذلك لبركة اسمه، فهذه صلاتك تبدأ بذكر الله، فإذا بها يتبارك ثوابها، فتكون الحسنة بعشر أمثالها وتكون عن عشر صلوات، فأي بركة بعد هذه البركة، وإذا قلت: وتعالى جدك أيقنت أن الله – سبحانه – عالٍ مقامُه مستغنٍ بنفسه عن عباده وخلقه.

إذا تذكرت أن الله يأبى الشرك وهو أغني الشركاء سارعت القول: ولا إله غيرك.
فأي كلمات أبلغ من هذه الكلمات في مثل هذا المقام، وصلى الله وسلم على من قال: «إن أحب الكلام إلى الله أن يقول العبد سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك» .

ولما كان القلب يقسو مما اعتاد سماعه لم يكن رسول الله ? يكتفي بهذا الاستفتاح فقد كان يستفتح الصلاة باستفتاحات متعددة.

فإذا وجدت من نفسك اعتيادًا على هذا الاستفتاح حتى أصبحت تقولينه ولا تشعرين إلا بانتهائه لقوة حفظك له، فلا تستشعرين قوله ولا معناه، وبالتالي تضيعين جزءًا من الصلاة بلا خشوع فعليك باستبداله بغيره من أدعية الاستفتاح وذلك كقوله: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد» وكان يقوله في الفرض.

وتخيلي وأنت ترددين هذا الدعاء أنك تقفين بين يدي الله – سبحانه – وقد جمعت خطاياك منذ كلفت حتى مت فإذا بها تبلغ زبد البحر، فإذا اليد تشهد، وإذا الرجل تشهد، وإذا اللسان يشهد وإذا الجلد يشهد بما فعلت واكتسبت وأنت تنظرين للنار وتنظرين للخطايا وتتوقعين أنها سائقتك إلى النار، لا محالة، فتستغيثين بالله وتلجئين إليه فارَّةً من ذنوبك تقولين بلهف وشفقة: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب. وهذا أقصى حد للبعد تعرفينه.

ولا تكتفين بذلك بل تلحين في الدعاء وتقولين: الله نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وذلك خشية أن لا يكفيك بعد الذنوب عنك وخشية أن يدرك منها شيء ذلك لعلمك بكثرتها.

وإنما اختير الثوب الأبيض دون غيره؛ لأن نقاء الأبيض الظاهي لا يكون إلا بالنقاء الحقيقي باطنًا، أما الألوان الأخرى فقد يظهر نقاؤه وهو في الحقيقة يحتفظ بشيء من الدنس، فتسألين الله أن يطهرك بالغسل بالماء والثلج والبرد.

تخيلي نفسك تلحين بهذا الدعاء يوم القيامة، فإذا تخيلت ذلك وأنت تقرئينه في الصلاة فتخشعين بلا ريب. فإذا اعتادت نفسك على هذا الدعاء وهذا الاستفتاح فاستبدليه بغيره كقوله: «الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلاً» .

وإذا قرأت هذا الاستفتاح فتذكري أن أبواب السماء تفتح لها – كما ورد في الحديث أن رجلاً من الصحابة استفتح بها فقال رسول الله ?: «عجبت لها فتحت لها أبواب السماء».

أبواب السماء التي لا تفتح إلا للملائكة الأبرار المؤمنين الأخيار تفتح لكلمات قلتيها في صلاتك .. سبحان الله .. أبواب السماء بعظمتها تفتح بكلمات يقولها العبد في صلاته، كيف تعلمين أن أبوابًا تفتح بكلمات تقولينها ويبدو لك الكنز العظيم، فتتركين استغلال الفرصة بصعود كلمات أخرى تسالين الله فيها خير الدنيا والآخرة، فليست تفتح أبواب السماء لكل كلمة وليست تفتح لأي أحد، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40].

فالأمر ليس بالهين فكم ملك لا تفتح له أبواب السماء وكم غني لا تفتح له أبواب السماء، وأنت تفتح لك بكلمات، ولكن هذه الكلمات لابد من الإخلاص فيها لا بد أن تخرج من قلب واعٍ، صادق مؤمن.

وإن وجدت من نفسك اعتيادًا على هذه الاستفتاحات فاستبدليها بغيرها مما ورد في السنة الصحيحة، أسوقها إليك هنا؛ ليسهل عليك استحضارها وقت الصلاة وحفظها.

«وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا [مسلما] وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت [سبحانك وبحمدك] أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنبي جميعًا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك، والشر ليس إليك [والمهدى من هديت] أنا بك وإليك [لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك] تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك» .

«اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، [ولك الحمد، أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن] ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك الحق وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيون حق، ومحمد حق، اللهم لك أسلمت، وعليك توكلت، وبك آمنت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك تحاكمت، [أنت ربنا وإليك المصير، فاغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت]، [وما أنت أعلم به مني]، أنت المقدم وأنت المؤخر، [أنت إلهي]، لا إله إلا أنت» .

«اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراطك المستقيم» .

ثم استعيذي بالله من الشيطان الرجيم مستحضرة معنى الاستعاذة، وهو اللجوء إلى الله والاعتصام به، فأنت تريدين الخشوع في صلاتك والشيطان يتربص لك ليوسوس لك، فإذا أردت النجاة من الشيطان ووسوسته فالجائي إلى الله فهو يكفيك، وتأكدي أن الله كافيك ما دمت قلت ذلك مؤمنة موقنة بقدرة الله وغلبته وملكوته.

والصيغة التي يسن لك أن تستعيذي بها هي «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه، ونفثه» وكان أحيانًا يستعيذ بقوله: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه» .

ثم سمي الله قائلة بسم الله الرحمن الرحيم – ومرادك بذلك أنت تبدئين صلاتك باسم الله وتثنين بالثناء عليه بصفاته التي تليق بجلاله وكل ذلك تقولينه في سرك – الاستفتاح والاستعاذة والبسملة ثم تبدئين قراءة سورة الفاتحة بتلاوة حسنة تحسنين صوتك بها وتخشعين فيها.
 

 
5006
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر