الأحد  
1440/10/13
هـ  
 الموافق:    2019/06/16م    
 
مقالات
   
بين العلم والدعوة
   
تجديد الخطاب الدعوي ( 2_2 )
تجديد الخطاب الدعوي ( 2_2 )

لقد تطرقت في المقالة السابقة إلى مسألة التفريق بين النص الشرعي والفعل البشري وبينا أن هذه المسألة يجب أن تراعى في ظل الشعارات المنادية بتجديد الخطاب الدعوي .. فالنصوص الشرعية متناهية أي ثابتة لا مجال للخوض فيها , والأفعال البشرية التي هي اجتهادات مجموعة من العلماء متغيرة تبعا لتغيرات الزمان والمكان والقدرة والأشخاص ..

ففتوى المريض تختلف عن فتوى الصحيح ، وفتوى المسافر تختلف عن فتوى الحاضر ، وفتوى الجاد تختلف عن فتوى المستهتر .

أو نقول هناك فرق بين النص والفتوى ، فالنص ثابت والفتوى التي هي إنزال الحكم الشرعي على الواقعة متغيرة .. وأريد أن أبدأ هذه المقالة من حيث انتهيت فهناك من يعتقد أن المراجعة هي نوع من الفشل والاعتراف بالهزيمة والتنازل عن المبادئ وهذا غير صحيح لعدة أسباب :

أولها : أن المراجعة في الفعل البشري ضرورة شرعية كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي عليها أصحابه ويقول : ( إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير )  .

بل كان ينهى النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أميره بريْده أن ينزل عدوه إذا حاصرهم على حكم الله , وقال : ( فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا , ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك ) .

فتأمل كيف فرق بين حكم الله وحكم المجتهد , ونهى أن يسمى حكم المجتهد حكم الله .

ثانياً : أن المراجعة خاضعة للمرحلية فقد يجتهد العالم أو الفقيه أو الشيخ في مرحلة زمنية معينة ثم يغير اجتهاده في مرحلة أخرى فهل اجتهاده السابق خطأ ؟

قد يكون لأنه فعل بشري وقد يكون صوابا في سياقه وفي وقته وفي الظروف التي أحاطت به .

ثالثاً : المراجعة التي ننشدها ليست مراجعة فئة معينة من الناس أو الأشخاص ، وإنما مراجعة على كافة الأصعدة فمجتمعاتنا تحتوي على مجموعة من الأخطاء على الصعيد السياسي والمعرفي والاقتصادي والتعليمي والإعلامي هذه الأخطاء جعلتنا في مؤخرة الركب .

رابعاً : أن لا تتحول المراجعة إلى مشاتمة وسب وتعيير أو أن يكون هناك هجوم و قصف متبادل بالتهم و الألفاظ النابية ومحاصرة بعضنا البعض بالأدلة والبراهين وكأن الحق هو كل قول أو فعل صدر منا وما صدر من غيرنا هو باطل يجب أن يمحى هو وصاحبه من الوجود .

أخيراً أقول : المرحلة المقبلة من الدعوة الإسلامية حبلى بكثير من التغيرات في الطرح من قبل كثير من الرموز نظرا لتغير المرحلة بل قد يؤول بهم الأمر إلى خيارين :

- الجمود للموجود والموروث وأن أي تجديد هو تمييع لهذا الدين وإفساد له .
- أو الذوبان المطلق في الآخر .

ولا بدَّ أن نبتغي بين ذلك سبيلا ..

وفي نظري أن هناك ثمَّة فريق سيسلم من الجمود والذوبان ، وهو ذلك الفريق الذي بنى أساسه على مجموعةٍ من القواعد الشرعية والأصولية جعلته تلك القواعد والأصول يتعامل مع متغيرات العصر وفق الضوابط الشرعية فسلم من الجمود والذوبان .

اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من حرَّاس عقيدتك ومن المدافعين عن كتابك وسنة نبيك وأن تعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن .. والله أعلم .

 
3992
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر