الثلاثاء  
1440/11/21
هـ  
 الموافق:    2019/07/23م    
 
مقالات
   
بين العلم والدعوة
   
طالب العلم والوقت
طالب العلم والوقت

الوقت هو رأس مال طالب العلم الذي لا ينبغي له التفريط فيه بحالٍ مِن الأحوال، فيجب عليه أن يحافظَ عليه، وأن يُنظِّمه، وأن يوليه رعايةً خاصةً بعدم صرفه فيما لا ينبغي، بل لا يصرفُه إلا في الغالي النفيس مِن أموره.

وينبغي أن تكون المقارنة بالنسبة إلى طالب العلم بين صرفه وقتَه في طلب كذا أو طلب كذا؟ لا في صرفه الوقتَ في الطلب أو عدم صرفه، فمثل هذا غيرُ جديرٍ بتحقيق الهدف الذي يسعى إليه الطالب، والطريق الذي يمضي فيه!

وقد كان سلفنا مِن طلاب العلم وقدواتنا من العلماء يحرصون على القليل مِن اللحظات، لا يفوِّتونها في غير فائدةٍ عائدةٍ عليهم بالعلم، حتى ما كان من الأوقات] ضروريًّا كوقت طعام أو سعي في الطريق أو قضاءِ حاجةٍ، فيقرؤون فيه أو يأمرون مَن يقرأ عليهم حتى لا يضيع هذا الوقت في غير التحصيل، والمأثور عنهم في ذلك يصل إلى حد الأعاجيب.

فليضَعْ طالب العلم لنفسه برنامجًا يسعى على هدي منه إلى غايته، وليلزم نفسه خلاله بعدم ضياع الوقت في غير العلم ولوازمه، وليختر من ذلك ما يُناسب حاله من ليلٍ أو نهارٍ، وكلُّ طالبٍ أدرى بنفسه، وما يصلح لها.

ومِن طلاب العلم من يُرتِّب برنامجه على حسب الصلوات، ومنهم من يُرتِّبه مِن أول النهار لآخره، ومنهم من يُقسِّمه بين الليل والنهار، يقضي منه شطرًا في كل جزء من اليوم...، وهكذا يضع طالب العلم ما يعلم أنه يسلم له، وما يدري من حاله أنه يلتزم به، ولا يتعارض مع مصالحه ومعاملاته.

وعليه أن يلتزم ما ألزم به نفسه بقوةٍ وصرامةٍ، لا يتهاون في ذلك قيد شعرة، فإنه إذا تهاون بشيء قليل، تبعه الصغير حتى ينخرم برنامجه كلُّه ويتهلهل!

والمقصود: أن يعتني طالب العلم بوقته، وأن يُنظِّمه، وأن يملأه بالأَولى والأنفع، وأن يأخذ نفسه بالمحافظة عليه بجدٍّ وقوةٍ.

وقد كثرت في عصرنا دواعي التفريط في الوقت، منها: طول المسافات، وكثرة الانتظار، ووسائل التواصل والاتصال، والمواصلات، ومشاهدة القنوات، وفراغ الأصحاب، وكثرة الأشغال والأعمال.

فيجب على الطالب أن يراعي ترتيب ذلك في برنامجه؛ فيملأ ذلك بما يناسبه، فلا يُخلي برنامجه من مادةٍ للسماع ومادةٍ للحفظ، ووردٍ يتطلب أداءً أو مراجعةً، أو غير ذلك حتى لا يتبدَّد عليه ويتشتَّت، ثم لا يُحصِّل شيئًا في النهاية فيقعد فارغًا.

والمقصود: أن يتأقلم الطالب مع ما حوله من الظروف، ولا ينتظر حتى تتناسب هي مع هدفه وما يطلبه، فإنها لا تستقيم في كل الأحوال، "فاستمتع بها على عوج".

وقد قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ﴾ [الإسراء: 37]: هو مشي الرجل في الأرض لاهيًا، لا شغل له ولا عمل له، فارغًا من هدف، خاليًا من غاية، فلا تكُنْه، فذلك ضدُّ غايتك وخلافُ هدفك! وهذه المسألة من القضايا المصيرية في حياة طالب العلم.

يُعين طالبَ الوقت على حفظ وقته أمورٌ، منها:

1- الدعاء والتوسُّل إلى الله تعالى، والتماس توفيقه ومعونته؛ فلا شيء يحصل أبدًا بدونها.

2- العلم بشرف الوقت، والاطِّلاع على فضله، والتعرف إلى منجز من حفظوا أوقاتهم في علومهم وعباداتهم، وكيف وصلوا، وإلامَ انتهوا؟

3- التقتير في إنفاق الوقت في مجالاته، والضنُّ بصرفه في غير موضعه، ومحاسبة النفس على الصغير منه قبل الكبير، والقليل قبل الكثير.

4- اجعل لكل وقت عملًا، ولكل فراغ شغلًا، ولا تتسامح في مرور الوقت دون أن يصطحب عمله معه، ويمضي بشغله في رفقته.

5- ضع العمل المناسب في الوقت المناسب، وقدِّر للمفاجآت وقتها في برنامجك؛ بحيث إذا فجأك ما لم تعمل حسابه، لم يُربكك ويبدِّد برنامجك كلَّه.

6- استخر واستشر واستنصح دائمًا؛ فهذا مرقى الصعود، وسبيل الوصول والسعود.

7- قدِّم الخير، واعمل البرَّ، وأدِّ النوافل، واجعل ذلك كلَّه وسيلةً بين يديك؛ ليفتح الله لك ويُعينك على تحصيل طلبك في أقلِّ الأوقات، ويجمع عليك أمرك في أقلِّ اللحظات.

بهذا إن شاء الله تُحصِّل في وقتك الخير، وتحفظه من الضياع..

أعانني الله وإياك على بلوغ الغاية، وتحقيق الهدف، إنه خيرُ مرجوٍّ، وأعظم مسؤول.

 

 
824
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر