الأثنين  
1440/08/17
هـ  
 الموافق:    2019/04/22م    
 
ركن الأسرة
   
همسات وإشارات
   
مشاعركِ وعلاقاتكِ بالآخرين
مشاعركِ وعلاقاتكِ بالآخرين

التعامُل مع الآخَرين، وتكوين علاقات اجتماعيَّة، وتوسيع دائرة معارفك في الحياة - حتمًا أهميته وفوائده كبيرة.

قد يكون لكِ نصيبٌ من هذا الرزق، الصحبة والمعارف الكثيرة، وقد تنعمين بهذا العطاء الكبير بوجود أشخاصٍ في حياتك، منهم المقرَّبون إلى قلبكِ، وآخَرون علاقات سطحيَّة بسيطة.

واجبك الحفاظ على هذه النعمة العظيمة والاستفادة منها.

هذا لا يَنفي وُجود بعض السلبيات المحتومة مِن التعامل مع أفراد وشخصيَّات عديدة ومتنوِّعة في حياتك، وهذه السلبيَّات ستتعرَّضين لها لأسباب متعدِّدة؛ أصلُها الاختلاف بين البشر، وفروعها متشعِّبة وكثيرة.

يا بنيَّتي، قد تسمعين ما يُؤلمِك من الآخَرين، وقد تُقابلين مَن يقلِّل مِن شأنك، أو يُسَفِّه مِن أفكارك أو مشاعرك، ومَن قد يتصرَّف معكِ بتجاهلٍ؛ مما يُزعجك، ويتسبَّب في تكوين أحاسيس تغضبكِ وتحزنك.

ولو حاولتِ الإشارة إليهم بأن كلماتِهم جارحةٌ ومؤذية، أو أنَّ تصرفاتِهم أزعجتكِ، فلن تجدي منهم سوى مزيد مِن الكلمات القاسية؛ فيزداد الألَم، وتكتمل مشاعر الحُزن والغضب، وربما قلة الحيلة، فتعجزين عن إسكات هذه الأصوات الصاخبة العنيفة، وهذه السلوكيَّات المزعِجة.

نعم يا حبيبتي، قد تقابلين في حياتك أشخاصًا غير قادرين على انتقاء كلماتِهم وعباراتهم الموجَّهة إليكِ، وقد تستعجبين من أسلوبهم وتحتارين وتتساءلين: أَمَا يوجد سبيل للخلاص من هذا الألَم؟

نعم، هذه حقيقةٌ عليكِ التسليم بها: أنتِ غيرُ قادرةٍ على مَنْع كلمات الآخَرين لكِ، ولا تملكين أيةَ سيطرةٍ على ما يقولونه أو يفعلونه، هذه كلماتُهم وتصرفاتُهم، وقد تصدر منهم وتصبح واقعًا وحقيقةً.

ما في وسعك وتحت سيطرتك هو ردود أفعالك، فتبحثين عن بدائلَ وطرقٍ متعددة للتعامل معهم، تارة بالمباشرة والمصارحة بأنَّ كلماتِهم قاسيةٌ وتجرحكِ، وتارةً أخرى تلجئين إلى الإشارة والتلميح غيرِ المباشر، وأحيانًا تتبعين أسلوب التغافُل وعدم الاكتراث؛ فتختارين الصمت وعدم الكلام.

وربما تُقرِّرين إنهاءَ التعامُل معهم والابتعاد الأبدي عنهم، إن كان هذا القرار في مَقدورك، ولكن هناك بعض الأشخاص لا يُمكن لهم الخروج مِن حياتنا بهذه البساطة يا حبيبتي، وقد يُفرض علينا التعامل معهم، ولا يمكننا الخلاص منهم وقتما أَرَدْنا!

ربما أكون أنا يا بنيتي واحدة مِن هؤلاء الأشخاص، وقد يأتي عليَّ أوقات أقسو عليكِ بكلماتٍ أو نقدٍ أو غيره مما يتسبَّب في إيذائك نفسيًّا، ويزداد هذا الشعور لديكِ كلما عجزتُ عن فَهم وإدراكِ ووعي ما تسبَّبت فيه تجاهك من مشاعرَ سلبية.

الأحاسيس والمشاعر يا بنيتي تختلف وتتنوَّع درجاتُها بشكلٍ كبير ومتعدِّد بين البشر، ولن يتمكَّن أحدٌ من الإحساس بما في داخلك، ولن يُدركه أحدٌ سواكِ، فهذه أمور باطنة مستترةٌ لا يمكن أن يشعرَ بها سوى الفرد ذاته ووحده، ومدى تأثير الكلمات عليكِ لن يُدركه سواكِ، ولكن ما هو ممكن هو أن يتعاطف معكِ أحدُ الأشخاص، ويرأف بكِ ويُشعرك بأنه يُقدِّر ما تشعرين به ويتفهَّمه، حتى وإن لم يصل لنفسِ درجة إحساسِك؛ لأنه لن يصل إليها، وغيرُ مطالَب بذلك، ولكن في وُسعه أن يقدِّر ما تشعرين به، وأن يحترمَ هذا الشعور الخاص بكِ؛ فيتعاطف معكِ، ويسعى نحو التخفيف عنكِ والتراحم بك، وبما تكنينه من مشاعرَ وأحاسيس داخلك.

أعدكِ يا بنيتي أن أتقبَّل مشاعرك وأحاسيسك وأتفهمها، وألا أحمِّلك فوق طاقتك، ولكن أطلب منك ألا تخفي مشاعرك عني، وتُصارحينني بها مباشرةً وبكلِّ وضوح حينما تتحدَّثين معي ولا تتردَّدي في سترها، أو عدم إباحتها، وذلك حتى أعلم ما تشعرين به، فأستمر فيما يسعدك، وأتوقَّف عمَّا يؤلمك، أو ربما أبحث عن أسلوبٍ آخَر أكثر نفعًا وفائدةً للتعامل معكِ.

ونصيحتي لكِ يا حبيبتي أن تكوني على درايةٍ أنَّ مشاعرَك حقُّكِ، فلا تحاولي كَبْتها، أو تعاتبي نفسك عن الشعور بها، ولكن ردود أفعالِك وتصرُّفاتك وقراراتك هي التي تحتاج إلى تفكيرٍ وتنقيبٍ مستمر حتى تتمكَّني من إيجاد البدائل المتاحة للتعامُل مع الآخَرين.

مهارة وفن التعامل مع الآخَرين والحفاظ على علاقات اجتماعيَّة ناجحة في الحياة - تحتاج إلى دراسةٍ وممارسة وتطبيق؛ فهي مهارة تُكتَسب، والإنسان قادر على تعلُّمها واكتسابها، وهذا لا يعني أننا لن نخطِئ مطلقًا في تعاملاتنا، أو أننا دومًا سنوفَّق في تصرُّفاتنا وأقوالنا مع الغير؛ فهذا مُحال، طبيعي جدًّا أن نتعرَّض لبعض الإخفاقات والأخطاء والزلَّات والهفوات عند تعاملنا مع الآخَرين، وقد لا نراعي مشاعرَهم وأحاسيسَهم دون قصد، أو ربما نكون تحت ضغط أو ظروف، أو نُعاني من مشاكل أو قلق يجعلنا نسيء التعامل.

حياتك الخاصَّة ليست مسوغًا لإساءة غيرك لك، ولكن قد نُخطئ ونتسرَّع، فنحن بشرٌ، والحكمة قد تنقُصنا، كما قد تنقُص غيرَنا.

فعلينا أن نتدارك هفواتنا، ونسعى نحو تنمية وتطوير هذه العلاقات الاجتماعيَّة باستمرار طوال مسيرتنا وخلال رحلتنا في الحياة.

 

 
759
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر