الأحد  
1440/10/13
هـ  
 الموافق:    2019/06/16م    
 
ركن الأسرة
   
قصص وعبر
   
لن تستعبدوني..
لن تستعبدوني

مضت أيام لم يغمض فيها لليان جَفن وهي تصارع نفسها: لِمَ لا أتنازل قليلاً؟ فالمقابل كثير.. بل كثير جداً!

لا بأس عليّ من التجربة، لن أنزلق بإذن الله... إرادتي قوية ولن أسمح لأحد أن يتخطّى حدوده معي...
لن أقدّم سوى بعض المرونة... فقط لا غير...

فما أنا عليه من جدية لن يُطعمني خبزاً.. وطالما أنني خضت غمار السوق فلن أضيّع فرصة الكسب أبداً...

واتخذتْ قراراها..

ومرّت الأيام.. وليان تقدّم التنازل تلو الآخر، فيوم يطالبها رئيسها في العمل بالقليل، لاحظوا معي "القليل" من المساحيق مما يُبهج أنظار العملاء، و"القليل" من "خفة الدم" التي تُنسيه همومه، و"القليل" من الدردشة معه في أوقات الفراغ - وما أكثرها - ليُفضفض.

و"القليل" من القُرب حتى يرى ويفهم مضامين الملفات بوضوح، ومعها يستنشق "القليل" من عبير عطرها فتنسكب السعادة في فؤاده وينشط للعمل أكثر فأكثر.

وفي يوم طلب منها "القليل" الذي صفعها لما حاول أن يعبث بخصلاتٍ من شعرها، عندها جمدت مصعوقة، لتخرج منها "لا" مدوِّية:

لا.. لن أسمح لمنصب كبير أو مالٍ كثير أن يستعبدني..

قد أخطأتُ عندما مشيت أول خطوة نحو الهاوية، ظنّاً مني أنني متحكّمة في الأمور ومسيطرة تماماً على اتجاهات سيرها، وبأن دلالاً من هنا وغمزة من هناك وضحكة من هنالك.

كلها ليست بالثمن الكثير مقابل ذلك المبلغ المرقوم والمركز "المحترم" الذي وصلتُ إليه بسرعة قياسية يقضي الموظفون سنوات من أعمارهم يحلمون به.

صحيح أنني وصلتُ أسرع، غير أنني دفعتُ أكثر من أنوثتي وحيائي وكرامتي وفوق كل ذلك ديني وأخلاقي.

لا.. الآن أصفعه بها كما صفعني مرات ومرات دون أن أتنبّه.

خرجتُ من الباب الذي دخلت منه وطموحاتي حينها تصعد قبلي سلالم المجد والشهرة..

ولأول مرة منذ سنة أستنشق هواءً نقياً استعدتُ معه حريتي التي صادرتُها بمحض إرادتي عند عتبة ذلك المكتب!!

والآن أعيدها: لا.. لكل الذين اتهموني بالجنون؛ إذ كيف أترك ما أنا عليه من "عِزّ" والرجل لم يفعل شيئاً ! فأنا التي تبالغ، وأنا "غير المنفتحة" و"سيئة الظن" و"أفكاري بالية" لا تتناسب مع لغة السوق ومتطلباته..

وبكل هدوء وثقة، عرّجَتْ على أقرب محل لبيع الملابس الشرعية، وخرجت بصورة غير التي دخلت بها..

وعندما وصلت المنزل، كان وجه والدتها أوّلَ وجه يستقبلها مهلِّلاً مستبشراً..

دفنت وجهها في صدر أمها وقالت:
الآن يا أمي... الآن فقط عرفتُ معنى الحرية.
  

 
1009
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر