الجمعة  
1441/01/21
هـ  
 الموافق:    2019/09/20م    
 
مقالات
   
بين العلم والدعوة
   
نداء إلى العلماء والدعاة وطلاب العلم
نداء إلى العلماء والدعاة وطلاب العلم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى أله وصحبه أجمعين.. أما بعد:

فيقول الله في كتابه الكريم:{فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.

ويقول سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.

ويقول تعالى:{وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.

ويقول عز وجل:{وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ}.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وعلى أله وسلم قال: (( والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا؛ ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؛ أفشوا السلام بينكم)). رواه مسلم.

فالجنة لا يدخلها إلا المؤمنون، ولا يتحقق إيمانهم إلا بالمحبة فيما بينهم، ومن أعظم أسباب المحبة إفشاء السلام بينهم؛ ففي هذا الحديث العظيم بيان أن أول خطوة في طريق الجنة إفشاء السلام بين المؤمنين حتى تتحقق المحبة بينهم فيكونوا كالبنيان يَشُدُّ بعضه بعضاً؛ وتتضافر جهودهم على الخير والدعوة إلى الله؛ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذلك يتحقق الإيمان الذي هو شرط لدخول جنة الرحمان.

وإن المؤمن الناظر إلى حال المسلمين في هذا الزمان يَكادُ قلبه يتقطع حسرة إلى ما وصلوا إليه من الذل والهوان، والتخاذل واتباع الشيطان، والجهل وضعف الإيمان؛ إلا ما رحم ربي، ويزداد الحزن والأسى عندما تجد الخلاف والتنازع قائم بين المسلمين على مستوى الدول والحكومات؛ وعلى مستوى الأفراد والمجتمعات؛ بل وعلى مستوى الدعاة والجامعات.

هذا، والكفار على اختلاف أنواعهم؛ ونعدد نَحَلِهم؛ وتباين مِلَلِهم؛ يجتمعون على حرب الإسلام والمسلمين، ويتداعون على هذه الأمة كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ(30)}.

هذا؛ وإن من أعظم أسباب ضعف المسلمين في هذا الزمان تنازعهم فيما بينهم؛ واختلافهم وتفرقهم {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}، أي نصركم وقوتكم ودولتكم.

وإن العلماء والدعاة وطلاب العلم هم قدوة الناس؛ وبهم يَصلُحُ شان الناس، فإذا لم يصلحوا فيما بينهم من الخلاف؛ فيكون يصلحون غيرهم؟.

يا معشر القُرّاء يا ملح البلد ... ما يُصلِحُ المِلحُ إذا المِلحُ فَسَد

فإذا أراد العلماء والدعاة وطلاب العلم أن تصلح أمور المسلمين فعليهم أوّلاً أن يصلحوا ما بينهم ويوالي بعضهم بعضاً قال الله الحكيم {وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ(73)}، صدق الله فهذه الفتنة والفساد الكبير سببه عدم تولي المؤمنين بعضهم بعضاً؛ وتفرقهم واختلافهم فيما بينهم.

فيجب على كل العلماء وجميع الدعاة وسائر طلاب العلم أن يسعوا سعياً حثيثاً فيما يجمع شملهم؛ ويوحد صفهم؛ ويؤلف بين قلوبهم، حتى تزول هذه الفتنة والفساد الكبير{وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ(38) }، فلنبدأ من الآن بالإصلاح بين أهل السنة، وهم بحمد الله أقرب الناس إلى الصلح وليس بينهم من الخلاف ما يدعوا إلى الشقاق والنزاع، ولكن الشيطان ينزغ بينهم، وقد قال عليه الصلاة والسلام:((إن الشيطان قد أَيِس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم)). رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه.

والحمد لله فأهل السنة عندهم من الإيمان الصادق والعلم النافع والعمل الصالح ما يدعوهم إلى التآلف والاجتماع والتصالح، وقد حصل بين علي ومعاوية رضي الله عنهما من الحرب والقتال والدماء ما حَصَل؛ ولم يمنعهم ذلك في السعي في الصلح، ثم لم يمنع ذلك أيضاً الحسن بن علي رضي الله عنهما أن يعقد الصلح مع معاوية عام الجماعة فحصل الخير العظيم للمسلمين بسبب ذلك الصلح؛ وتحققت بشارة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله عن الحسن: ((إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يُصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)). رواه البخاري من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.

بل إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد صالح كفار قريش عام الحديبية وكره ذلك بعض المؤمنين ولكن ذلك الصلح كان نصراً عظيماً للإسلام وفتحاً مبيناً للمسلمين وقد أمر الله رسوله والمؤمنين أن يُصالحوا إن جنحوا للسلم فقال سبحانه: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.

فما بالكم بالإصلاح بين المسلمين، فما بالكم بالإصلاح بين الصالحين، {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}، والحمد لله فأهل السنة لم يحصل بينهم حروب ولا قتال، وأكثر خلافهم ما هو إلا من خلاف الأفهام، فلماذا هذا الإعراض عن الصلاح؟! وإلى متى هذه الغفلة عما فيه عز الأُمّة؟!.

أَنُريدُ أن يُصلِحَ بيننا اليهود والنصارى؟ أم نُريد أن يُصلح بيننا ولاة الأمر؟ أم نُريد أن يُصلح بيننا عوام الناس؟، لماذا لا نتوكل على الله ونُبادر نحن بأنفسنا إلى الصلح وجمع الكلمة؟ أليس كلنا يقرأ كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وفيهما ما يحث على الصلاح حثّاً حثاً؟! وفيهما ما يزجر عن التنازع زجراً زجراً؟.

ما لنا لا نطيع أمر الله في قوله: {فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذا تحريج من الله على المؤمنين أن يتقوا الله وأن يُصلحوا ذات بينهم. [انظر: صحيح الأدب المفرد (304)].

وقد قال سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}، فما لكم يا مؤمنون؟.

ما لنا لا نتبع سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فعن انس رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((لا تباغضوا؛ ولا تحاسدوا؛ ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال)). رواه البخاري فما لكم يا عباد الله؟.

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (( ألا أُنئكم بدرجة أفضل من الصلاة والصيام والصدقة)) قالوا: بلى؛ قال: (( صلاح ذات البين، وفساد ذات البين هي الحالقة)). "صحيح الأدب المفرد" (303).

وعن أبي هريرة وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (( دبَّ َإليكم داء الأمم قبلكم، الحسد والبغضاء، هي الحالقة؛ حالقة الدين؛ لا حالقة الشعر)). قال الألباني في مقدمة " السلسلة الضعيفة" (1/29): حديث حسن بمجموع طريقيه عن ابن الزبير وأبي هريرة.1هـ

فهذه ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين، فليوصي بعضنا بعضاً من الآن في جمع الكلمة؛ وحبذا أن يلتقي كبار أهل السنة ويتدارسوا موضوع الصلح وينظروا في معوَّقاته وطرق إزالة هذه المعوقات؛ وينظروا في الخطوات المناسبة لإنجاح هذا الصلح، وينبغي أن يتعجلوا في عقد الصلح ويهيئوا له الأسباب ويمهدوا له الطرق ومن ذلك:

1) أن يركَّز العلماء والدعاة وطلاب العلم على موضوع الصلح في خطبهم ومحاضراتهم وكتاباتهم، ويبيَّنوا فضائل الصلح ووجوبه ومصالحه، ومفاسد التفرّق والتحزّب والتعصّب، وأن يُكثروا من موضوع الأخوة والمحبة في الله، وبيان حقوق الأخوة، وبيان وجوب تولي المؤمنين بعضهم بعضاً.

2) أن يتعاون الدعاة في الدعوة إلى الله بالخطب والمحاضرات المتبادلة وإقامة الدورات العلمية المشتركة، والقيام بالزيارات واللقاءات المتكررة.

3) الحث والتحريض على القرآن وتفسيره تعلماً وتعليماً ودعوة، والاعتماد عليه في المحاضرات والخطب والدروس حتى نعتصم بحبل الله جميعاً.

4) العودة إلى أمهات كتب السنة وشروحها، وحبذا أن تُقام المسابقات التشجيعية الواسعة في حفظ القرآن وفي التفسير وفي حفظ بعض كتب متون الحديث وفي جرد أمهات كتب الحديث وشروحها.

5) الحرص على التفقه في الدين وتوسيع الصدور في مسائل الخلاف الاجتهادية ومعرفة آداب الخلاف.

6) معرفة الضوابط الشرعية لباب المصالح والمفاسد بلا إفراط ولا تفريط؛ ولا غلو ولا جمود.

7) الإكثار من دعاء الله تعالى بأن يؤلَّف بين قلوبنا ويصلح ذات بيننا وأن لا يجعل في قلوبنا غِلاً للذين آمنوا.

ونرجو من دعاء الله الكريم أننا لو بدأنا في السعي إلى جمع الكلمة بصدق وإخلاص وتواصي أن يوفقنا الله لذلك، ونعوذ بالله من تثبيط المثبطين؛ ونعوذ بالله من اليأس من رحمة رب العالمين {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}.

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
 

 
2910
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر