الثلاثاء  
1440/12/19
هـ  
 الموافق:    2019/08/20م    
 
ركن الأسرة
   
أبناء وبنات
   
المتابعة التربوية
المتابعة التربوية

المتابعة والمثابرة ضرورة تربوية يرى كثير من الآباء والأمهات أن الجهد الذي يبذلونه في تربية أبنائهم لا يؤتي ثماره المرجوة ولا حتى جزء مقبول مما يتمنونه لهم من تلك المنظومة السامية من المثل والأخلاقيات التي طالما تربينا عليها أو تلك الاهتمامات والأولويات التي شكلت بالنسبة لنا ميدانا للمنافسة والنجاح.

بل ويرى الكثير من هؤلاء الآباء أنه لا جدوى من متابعة الجهود التي تضيع هباء في مواجهة التغيرات الفكرية والثقافية والاجتماعية السلبية في الغالب والتي ساهمت وبشكل كبير في توسيع الهوة بين مثلهم وقيمهم وسلوكياتهم وبين ما يراه الأبناء قدوة ومثالاً فيستسلمون لليأس والإحباط ويتركون أولادهم للظروف المحيطة بدعوى أنهم ملّوا وتعبوا دون طائل.

والحقيقة أن هذا تفكير وعمل خاطئ وتقصير لا يغتفر من أمّ وهبت حياتها لأبنائها وسهرت من أجلهم وهو كذلك غير مقبول من أب أفنى حياته في سبيل سعادة أولاده وبيته وحمايتهم من العوز والحاجة والانحراف ابتغاء أداء أمانة الله حتى استحقا أن يأمر الله تعالى بطاعتهما في الآية ذاتها التي أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نوحده ونعبده ولا نشرك به شيئاً.

أن نترك أبناءنا لواقع ثقافي واجتماعي متهالك منحرف ظناً منا أن الإصلاح غير ممكن في ظل ظروف اجتماعية ومؤثرات حضارية وافدة مؤثرة تكاد تستغرق كل جوانب حياة وأفكار أبنائنا وهو هروب من مسؤولياتنا أمام الله.

ثمّ أولادنا الذين سيكبرون ضمن إطار خاطئ من المؤثرات المدمرة وسيجدون أنفسهم في شرك مآزق أليمة ثمّ يلقون باللوم علينا لأننا لم نأخذهم بالحزم ولم نحاول أن نؤثر عليهم بالحب أو الحنو أو بالقدوة والسلوك الإيجابي.

إن سنوات التربية طويلة ممتدة من لحظة الولادة إلى اكتمال الرشد بل ربما احتاج بعض الأبناء إلى متابعة مدى الحياة.

فإن بضعة وعشرين عاماً من التعب المتواصل والعناية المتتابعة بالمأكل والمشرب والملبس والتوجيه والتعليم وغرس القوى الإيمانية في الأبناء لهي رحلة متعبة دون شك ولكنها إن شاء الله جزيلة الأجر والثواب.

ولعل أصعب ما في مرحلة التربية الطويلة هذه وجوب بقاء الوالدين مثالاً وقدوة حسنة يستقي منها الأبناء أخلاقياتهم وبناءهم العقدي والسلوكي فتصبح الرقابة مزدوجة موزعة ما بين الذات مخافة الوقوع في ما يهز الصورة المثالية للوالدين في وجدان الأبناء وبين الرقابة الحانية الحازمة المشفقة على أبنائنا.

وهم يعيشون ضمن مجتمع يعج بالمتناقضات والمخاطر السلوكية والدعوات التي يختلط فيها الغث بالسمين والطيب بالخبيث.

وهنا لا نجد أمامنا إلا ذلك النبع الصافي والمعين الذي لا ينضب من التوجيهات الربانية الحكيمة الرحيمة في هذا المجال وبالتأكيد في كل مجال حياتي آخر.

ولقد حرص الإسلام على أن يكون سخياً في التوجيهات الكريمة لكي يتمكن الوالدان من أداء رسالتهما وفق منهج الله وتعاليم دينه الحكيم.

فبدءاً من لحظات الصراخ الأولى المعانقة للحياة حيث يسكب قلب الأبوة الحاني كلمات الله في أذن وليدة فتنساب إلى قلبه المولود على فطرة الله إلى لحظة اختيار اسم حسن له إلى كل مظهر من مظاهر الاحتفاء بهذه الفلذة الثمينة إلى لحظة إسلامه للحياة من أول مراحلها المبكرة إلى رحابتها ومعركتها الحياتية المتمثلة في بدئه هو بتكوين بيت وأسرة.

يظل الوالدان يمارسان حق التربية وتعب التوجيه ولهفة الإشفاق وأمل السداد والهداية بين الخوف والرجاء والقسوة واللين والانتباه والغفلة لمسيرة الولد والإفراط والتفريط في أساليب التربية بين ضعفنا الوالدي وحكمتنا التربوية.

وبين كل هذه التجاذبات تتمثل لنا كلمات الله الواضحة الجلية المحذرة المذكرة بدورنا ومسؤوليتنا: " يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة ".

إنها نار أو جنة إذن ومجال الاختيار بينهما معدوم إلا عند من سفه نفسه وجردها من كل شعور إنساني بالمسؤولية مكتفياً بالأداء الفطري الذي يشترك فيه الإنسان مع غيره من المخلوقات غير العاقلة وغير المكلفة.

فكيف بعد يمكننا التخلي عن مسؤولية وضعنا أمامها ووضعت أمامنا ونحن نعلم أن الله مطلع علينا ناظر كيف يكون أداؤنا كيف يكون رضى قلوبنا بهذا التكليف الرباني، وكيف يكون قيامنا على هذا الأمر الذي أمرنا به.

فهل هنالك من سبيل إلا الصبر والمثابرة والمتابعة لكل ما بدأناه من بذل بذرة الخير في قلوب صغارنا حتى يبلغوا رشدهم دون تفريط بالأمانة ولا تضييع لها آملين المثوبة والأجر من الله تعالى راجيين أن يغفر لنا تقصيرنا ونسياننا وخطئنا إنه أهل التقوى وأهل المغفرة.

 
3372
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر