الجمعة  
1441/03/18
هـ  
 الموافق:    2019/11/15م    
 
مقالات
   
ثقافة التطوير
   
ثقافة التخصص
ثقافة التخصص

خلق الله عز وجل الخلق، وهيأ لكل منهم ما يعينه على أداء رسالته في الحياة، فمنهم من لا يصلح إلا لوظيفة محددة، وقد كان من عدل الله عز وجل أنه لم يخلق إنسانا غبيا وآخر ذكيا، بل أعطى كل إنسان حظه من الذكاء.

وعلى كل فرد أن يكتشف قدرات ذكائه، وأين تصلح وتعمل، وقد خلق الله لكل إنسان العمل اللائق بذكائه، والمناسب لتكوينه وفطرته، يقول (صلى الله عليه وسلم): " اعملوا فكل ميسر لما خُلق له ". رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي عن عمران بن حصين.

وقد خلق الله كل عضو في الإنسان وله وظيفة، وله تخصصه الذي يؤديه في الجسد، فالعين وظيفتها وتخصصها الإبصار، والأذن السمع، وهكذا، وينتج الخلل في الجسد عندما نريد لعضو وظيفة غير وظيفته.

وما يقال عن أعضاء الجسد يقال عن الفرد في المجتمع عموما، فكل فرد منا خلقه الله عز وجل لوظيفة يتقنها، وهذا هو الأصل في كل إنسان، غير أن هناك فروقا فردية قد تؤدي بالبعض النادر القليل إلى أداء عدة وظائف، ولكن هذه الفروق ليست قاعدة ثابتة، بل هي الشاذ الذي لا حكم له، ويظل الثابت والأصيل هو احترام تخصص كل فرد في المجتمع.

وفي حديث القرآن الكريم عن صفات الأنبياء، وأبرز ما اتصف به كل منهم، نرى تخصيصا لكل منهم بخصيصة اختص بها دون سائر الأنبياء، فإبراهيم عليه السلام خليل الرحمن {واتخذ الله إبراهيم خليلا} (النساء: 125)، وموسى عليه السلام كليم الله {وكلم الله موسى تكليما} (النساء: 164).

وقال عن نبي الله إسماعيل عليه السلام {واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا} (مريم: 54)، وقال الله عن نبيه إدريس عليه السلام {واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا ورفعناه مكانا عليا} (مريم: 56-57).

بل في المعجزات كان لكل نبي ما يخصه من المعجزات، بما يتناسب مع بيئة قومه وتفكيرهم، فنبي الله موسى انتشر في عهده السحر والسحرة، فكانت عصا موسى، ونبي الله عيسى وجد في بني إسرائيل عندما ازدهر في عهدهم الطب، فكان من معجزاته التي اختص بها {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني} (المائدة: 110)، وهكذا كل معجزات أنبياء الله ورسله إلى أقوامهم.

وقد رأينا هذا التفاوت في صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وخاصة في ألقابهم، فرأينا لكل صحابي لقبا يتناسب مع أبرز صفة فيه، وهو ما اختُصَّ به دون سائر الصحابة، وإن اشترك معه البعض في جزء منه.

فلا شك أن كل الصحابة كانوا على درجة عالية من الصدق، ولكن أبا بكر الصديق صار " الصديق " لقبا له، لتميزه بهذه الصفة وانفراده بالدرجة العالية فيها عن بقية صحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الكرام، ومعاذ بن جبل أعلم الأمة بالحلال والحرام، وليس في ذلك وصف لغيره بالجهل بالحلال والحرام، ولكنه انفرد بدرجة عالية من التميز والتفوق في هذا الميدان، وتخصص فيه وبرع.

وخالد سيف الله المسلول، فلم يكن يعيبه أنه لم يعرف عنه روايته للحديث النبوي، ولا فصاحته في الخطابة، ولا قرضه للشعر.

وكل هذا التخصص في الكون الذي نراه، وفي كل مخلوقات الله عز وجل، وفي ملائكة الله ورسله، وفي صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ليتعلم الإنسان احترام التخصص، وإشاعة ثقافة التخصص في المجتمع، لا أن ينبري أحد ليقوم بمهمة أو بعمل ليس له أهلا، ولا يمتلك مؤهلاته، ولا يقوى على القيام به.

الإسلام يقدر التخصص:

والإسلام دين يغرس في الناس احترام التخصص، والاعتماد على المختص في كل أمر من الأمور، نرى ذلك في عدة أمور سلكها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في حياته كلها، فنراه في ليلة الهجرة قد خطط وأعد لكل أمر عدته، وبحث عن دليل خرّيت خبير بالطرق، فاستعان بعبدالله بن أريقط، وهو رجل على الشرك، إلا أنه ثقة وأمين، ويعرف الطرق ووعورتها معرفة تامة، يثق فيه الإنسان المصاحب له في الطريق.

ورأينا احترام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) للتخصص عندما ربط جنيا في سارية من سواري المسجد، ولكنه احتراما لدعوة نبي الله سليمان أن يهب الله له ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وقد كان مختصا بخطاب الجن، ورؤيتهم، يقول (صلى الله عليه وسلم) " إن عفريتا من الجن تفلَّت علي البارحة ليقطع علي الصلاة، فأمكنني الله منه، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان عليه السلام {وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي} (ص: 35) ". (رواه البخاري عن أبي هريرة)

موقف الإسلام ممن يقدم على غير تخصصه فيفسد:

لم تقف عناية الإسلام باحترام التخصص، والدعوة إليه، بل شدد في عقوبة من يتولى أمرا، أو يدعي علما ثم يتسبب تجرؤه بالادعاء في الإضرار بالناس.

يقول الشيخ سيد سابق رحمه الله: لم يختلف العلماء في أن الإنسان إذا لم تكن له دراية بالطب، فعالج مريضا فأصابته من ذلك عاهة، فإنه يكون مسؤولا عن جنايته، وضامنا بقدر ما أحدث من ضرر، لأنه يعتبر بعمله هذا متعديا، ويكون الضمان في ماله.

عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من تطبب، ولم يعلم منه قبل ذلك الطب، فهو ضامن ". (رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة).

بل وصل الأمر بالفقهاء أن دعوا إلى الحجر على المفتي الجاهل الماجن، والطبيب الجاهل غير الحاذق، والمكاري (البناء) الذي لا يحسن عمله، فقالوا: لأن المفتي يفسد على الناس دينهم بفتواه الجاهلة، والطبيب يفسد على الناس صحتهم، والمكاري يفسد على ناس بيوتهم ومساكنهم.

وفي كل ما مضى صلاح الدين والدنيا، وبعملهم يكونون قد أفسدوا على الناس دينهم ودنياهم، وهو ما أخبر به النبي [ في شأن الرجل الذي اغتسل وبه جراحة " قتلوه قتلهم الله " (رواه البخاري في التاريخ الصغير) أي كانوا سببا في قتله، فدعا عليهم بالقتل، فالجزاء من جنس العمل.

ثمار ثقافة التخصص:

لا شك أن احترام التخصص، وغرس هذه الثقافة في نفس الفرد والمجتمع، نجني من ورائها ثمارا عدة، منها:

1- رضا الله، فرضا الله عز وجل يكون في أداء كل إنسان ما يتقنه، وما يجيده، فإذا أقحم نفسه في عمل لا يجيده ولا يتقنه أفسده، وبإفساده يقترف إثما وذنبا، لأنه لم يترك لغيره من أهل الاختصاص القيام به، يقول تعالى {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} (الإسراء: 36).

2- التقدم والرقي، فمن أهم ثمار التخصص أن تتقدم الأمة وتزدهر، ولا تكون في ذيل القافلة، أو في مؤخرة قطار النهضة والتقدم العلمي، وهو ما حرص عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يخصص لكل أمر في الصحابة من يعنى به، ويأخذ بأسبابه، بما يحقق للإسلام المنعة والقوة المادية والمعنوية.

ومن هذا ما أقدم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من تخصيصه زيد بن ثابت لترجمة رسائل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) التي ترد إليه من اليهود، فقال له (صلى الله عليه وسلم): " ...إني ما آمن يهود على كتابي..." (أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي) وأمره بتعلم لغتهم، فتعلمها (رضي الله عنه) في خمسة عشر يوما.

3- النصر والنجاح، من ثمار احترام التخصص ورعايته والحرص عليه أنه يرزق الأمة النصر والنجاح في دنياها، والفوز في أخراها في الدنيا بالنصر والتمكين، لأنه لا نصر بغير علم، ولا علم بغير تخصص متقن، يعتبر ويحترم، ويقدم في مكانه اللائق به وهو ما فعله الصحابة في غزوة مؤتة.

4- التواضع والاستزادة من العلم، ومن ثمار احترام التخصص أنه يجعل الإنسان متخلقا بخلق التواضع، وخفض الجناح، وحرصه على طلب العلم مهما بلغ من المناصب والشهادات العلمية، نرى ذلك في رسول من أولي العزم من الرسل، نبي الله موسى عليه السلام وذلك عندما طلب من الرجل الصالح (الخضر) أن يصاحبه مقابل أن يتعلم مما علمه الله، واختصه به من علم ليس لدى نبي الله موسى عليه السلام {فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما. قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا} (الكهف: 65-66).

آثار غياب التخصص:
لا شك أن لغياب ثقافة التخصص عن حياتنا الدينية والعلمية والعملية آثارا سيئة، تنتج مباشرة عن غيابها، وهي إفراز طبيعي لا يستغربه الإنسان الراصد لأمراض المجتمع وأوبئته، ومن هذه الآثار:

1- فساد الدنيا والدين.. من الآثار السيئة لغياب ثقافة التخصص، أنها تسبب خرابا في الدنيا، وضعفا وخسرانا في الدين، والله عز وجل يقول {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} (النحل:43)، وللأسف نرى في حياتنا بعض الناس إذا ما أخطأ في أمر، أو احتاج إلى فتوى، تساهل وسأل أي إنسان يرى عليه سمت التدين، أو ربما رأى خطيبا مفوها فاستفتاه، وليس كل خطيب فقيها يفتي.

2- انتشار الفوضى، ومن آثار انتشار ثقافة عدم التخصص، إشاعة الفوضى، وادعاء الفهم في أمر لا يدركه ولا يفقهه من يتقدم له، مما يشيع في الأمة الحيرة عند الاختلاف، وعدم جمع أمرها على الصواب، لأنها لا تعتمد في حل قضاياها ومشكلاتها والمعضلات التي تواجهها على المختص، فتشيع الفوضى والضياع والتشرذم والتشتت.

3- شيوع ثقافة السوبرمان.. من أهم آثار غياب ثقافة التخصص واحترام التخصص شيوع ثقافة الشخص السوبرمان، أو ما يسميه العوام «بتاع كله»، وهو ادعاء الشخص أنه يمتلك ناصية البيان والعلم في كثير من فروعه، فتغريه نفسه باستباحة حمى علم لا يمتلك أدواته.

4- التخلف العلمي والحضاري، ومن آثاره كذلك أنه يكون سببا رئيسيا في تخلف الأمة عن ركب العلم والحضارة، ويؤدي إلى انهيار بنيانها، وتحطيم قدراتها، فأولى مراحل السقوط والانهيار في الأمم السابقة وفي عوامل الانحدار في الحضارات توسيد الأمر لغير أهله، أي وضع غير المختص في موضع لا يحسن فيه التصرف.

أسباب غياب ثقافة التخصص:

1- تقديم الثقة على الكفاءة، وهو داء خطير، أن يكون معيار التفضيل بين الناس في تولي المهام، أو في أداء الوظائف هو الثقة في المتقدم للعمل، لا الإنسان الكفء المناسب له، فالأصل في الإسلام أن يقدم الإنسان الكفء للمكان المتقدم إليه، دون محاباة أو مجاملة.

2- حب الظهور، ومن أسباب تفشي ظاهرة عدم التخصص، حب الظهور الذي فشا في زماننا الذي اتسم بغلبة الثورة الإعلامية فيه، فأصبح كل متحدث يحب الظهور، ويحب أن يتألق كبقية نجوم الإعلام، ولم يقنع بتخصصه، فدفعهم حب الظهور إلى التكلم في غير تخصصهم أحيانا، ومن تكلم في غير فنه أتى بالعجائب كما قال سلفنا الصالح، تفتح التلفاز والفضائيات لترى بعض الدعاة أو المشايخ، وبعد انتهائه من شرح الموضوع تنهال عليه الأسئلة من كل صوب وحدب، أسئلة لو طرحت على مالك وأبي حنيفة لتوقف في كل سؤال فترة يفكر فيه.

3- غياب الوعي وحسن الفهم، فمما لا شك فيه أن الوعي السديد، والفهم الصائب، يرشد الإنسان إلى اللجوء إلى المختص فيما يسأل فيه، ويجعل الأمة تبحث عمن يقوم بفرض الكفاية فيما تحتاجه من تخصص تمس حاجة الأمة إليه، وبغياب الوعي والفهم الصحيح يأتي غير المختص فيوسد الأمر لغير أهله.

4- عصر ثقافة السندوتشات، وكذلك ساهم في غياب ثقافة التخصص ما نعيشه من عصر السرعة، والمعلومة السريعة غير الموثقة، التي يسعى قائلها لمجرد الدعاية، ومجرد الظهور، فهو يخطف العلم خطفا، لا يتأنى في طلبه، ولا يتريث في تعلمه، ولا يتعب ويثابر على حسن تدبره، وحسن تفهمه، إنما عاش على ثقافة المعلومة الخاطفة، والقراءة السريعة التي لا تشبع نهما، ولا تبني عالما، ولا تكون متخصصا يفيد في مجاله.
 

 
1711
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر